«بي بي سي» .. وفضيحة العوامية

|
كانت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، لعقود طويلة، مثالاً للمصداقية والموضوعية إلى حد ما. تختلف معها تارة، وتتحفظ على مواضيعها تارة أخرى، إلا أنك لا يمكنك التشكيك في المهنية العالية التي تغلف بها تقاريرها وأخبارها وبرامجها، دعك من كذبة الحياد، فلا توجد وسيلة إعلام على أرض البسيطة محايدة 100 في المائة، فلما تحوّلت الإذاعة الرصينة إلى تلفزيون عام 1996، تجمّع بقايا القوميين والشيوعيين والبعثيين فعاثوا فيها، قبل أن يتحوّل أغلبية طاقم القناة ليكونوا بذرة غير صالحة لقناة الجزيرة. أُغلقت القناة ثم عادت الكرة مرة أخرى، تلفزيوناً يحمل اسم الـ "بي بي سي"، لكنه في المضمون يحمل أجندات بحسب العاملين فيه، لا سياسة واضحة للقناة، تعتمد معايير واضحة ودقيقة يُعمل بها. وعندما عرضت القناة، أمس الأول، ما سمّته الفيلم الوثائقي "الحراك السري" عمّا يحدث في العوامية منذ ثلاث سنوات، كانت المفاجأة أن الفيلم سقط في كوارث مهنية لا تُغتفر، وأسقط القناة معه في بئر لا أعلم كيف ستخرج منها، فالإرهابيون الذين يطالبون بإسقاط النظام، ويطلقون النار على رجال الأمن يُسمون "نشطاء"، والمجرمون الذين يمزقون ويحرقون صور الملك يُوصفون بـ "الأبرياء"، ناهيك عن السيناريو الذي يناسب فيلماً عاطفياً مع موسيقى تصويرية حزينة جداً، تريد أن تصل بالمشاهد في النهاية إلى أن هؤلاء يعانون القمع و"المظلومية"، أما الكارثة المهنية الكبرى فهي ترسيخ معلومات خاطئة وترويجها في قناة عالمية دون أدنى محاولة لمراجعتها وتصحيحها، كتكرار معلومة مغلوطة يعرفها طلاب المرحلة الابتدائية، بأن أكبر حقل بترول في العالم يقع في القطيف، وأن سكان المنطقة الشرقية هم من الطائفة الشيعية الكريمة، وأن نسبة الشيعة في السعودية 15 في المائة، لذا لن يستغرب أبداً تمرير المنطق بأنه طالما أن البترول في القطيف فأهلها أحق به. وماذا عن أهلنا في جازان، مَن يتكرّم عليهم مستقبلاً بالقليل، طالما أن منطقتهم ليست غنية بالنفط؟ لستُ من أنصار نظرية المؤامرة أبداً، ولا توجد مشكلة أن يجرى هذا "التحقيق السري" طالما للـ"بي بي سي" علاقات خاصة مع مَن تسميهم ناشطين! لكني أريد مَن يقنعني بأسئلة مستحقة لا توجد لها إجابات: لماذا يُصوَّر ما يحدث في العوامية على أنه متواصل منذ ثلاث سنوات، بينما الجميع يرى ويشاهد ويلاحظ أن القصة تقترب من نهايتها؟ لماذا السماح بأخطاء مهنية قاتلة لا تقبل بها الـ "بي بي سي"؟ كيف تقبل القناة أن تسمّي الإرهابيين شهداء، وتصوِّر مقابرهم ومنازلهم، بينما قتلى رجال الأمن لم يزرهم التقرير ولم يطلع على أوضاعهم؟ ما المبرر لوصف إرهابيين بأنهم "زعماء المعارضة" وتقديمهم للعالم كأنهم أبطال يدافعون عن حقوق وحريات؟! لو بحثت السلطات السعودية عمَّن يدافع عن مواقفها في مواجهات العوامية، فربما لن تجد أفضل من هذا الفيلم الذي اختصر على العالم ما يحدث في العوامية منذ ثلاثة أعوام. باعتراف الإرهابيين أنفسهم، يرفعون السلاح على الدولة، ويطالبون بإسقاط النظام، وأن أكذوبة "سلمية" التي أراد الفيلم ترويجها سقطت باعتراف أبطال الفيلم أنفسهم، أما الضحكة الكبرى فهي عبد الكريم الحبيل، الذي تحدث في الفيلم نافياً أي ارتباطات بين ما يحدث في العوامية وبين إيران. بالطبع كان صادقاً ولن نشكك في وطنيته، فقط لو شرح لنا ماذا تفعل صورتان كبيرتان للخميني وخامنئي يُزيِّن بهما جدران منزله؟
إنشرها