هل رضخت قطر؟!

|
"لئلا تؤثر سياسات أي من دول مجلس التعاون على مصالح وأمن واستقرار دوله"، هذه العبارة التي تضمنتها "وثيقة الرياض" لحل الخلاف الخليجي / القطري، تختصر علاقات متوترة بين الشقيقة قطر وجيرانها طوال نحو 20 عاماً. الدلائل تشير إلى أن السياسات القطرية تؤثر سلباً في مصالح وأمن دول الخليج واستقرارها، بينما الدوحة ترى أنها "حرة" في سياستها، وأنها "لن ترضخ" مهما بلغت العلاقات ومهما توترت، فهل فعلاً رضخت قطر؟! لا تهم تسمية الموافقة القطرية الأخيرة بتفاصيلها الدقيقة التي كانت مفاجأة للجميع، أنها رضوخ من عدمه. صحيح أن الدوحة كانت ترفض تفاصيل صغيرة يطالبها بها جيرانها، ثم توافق على ما يمكن اعتباره تحولاً في سياستها، وصحيح أن الشروط التي أُقرت في وثيقة الرياض ستغيّر من الثوابت التي قامت عليها سياسة الدوحة الخارجية، وصحيح أنه إذا التزمت الدوحة بتعهداتها سنشهد سياسة قطرية مختلفة جذرياً عمّا كانت عليه طوال العقدين الماضيين، إلا أن المهم أن الشقيقة العزيزة على قلوب الخليجيين جميعاً عادت إلى حضنها وامتدادها الخليجي أخيراً، "فلا بد من صنعاء، أيتها الدوحة، وإن طال السفر". ولأن السياسة لا تُؤخذ بالعواطف والأمنيات، فلا بد من الاعتراف بأن الالتزام القطري بما أقرّته "وثيقة الرياض" سيكون بالغ الصعوبة، ليس لأن الوثيقة كانت قاسية جداً مثلاً أو تضمنت شروطاً تعجيزية، بل لسبب بسيط جداً، فالسياسة القطرية أساساً قائمة على مجموعة من المتناقضات التي يصعب الخلاص منها، فكيف لدولة تحتفظ بعلاقات متميزة مع "حزب الله" و"الحوثيين" وتريد أن تقوي علاقتها بالسعودية والبحرين؟ كيف لدولة تعتبر الداعم الأول لـ "الإخوان المسلمين" ثم تأتي فجأة وتقول لهم: سعيكم مشكور.. فُضت العلاقة ولن نسمح لكم بالتدخل في شؤون جيراننا؟ كيف لدولة تمتلك علاقات متشابكة مع معارضين وشخصيات تسعى إلى زعزعة أنظمة الحكم في الدول الخليجية، أن تقرر أن تصدهم وتوقف التعامل معهم؟ بصراحة أكثر هؤلاء أصلاً لن يقبلوا أن تنتهي علاقتهم مع حليفهم الأول بلا ثمن غال! في السادس من آذار (مارس) الماضي، وبعد يوم واحد من قرار السعودية والإمارات والبحرين سحب سفرائها من قطر، صرح مصدر قطري حكومي لوكالة رويترز "لن تغير قطر سياستها الخارجية بغض النظر عن الضغوط. هذا الأمر مسألة مبدأ نتمسك به بغض النظر عن الثمن". بالطبع السياسة لها مخارجها وتقلباتها التي لا يمكن التنبؤ بها، إلا أن تصريح المسؤول القطري يمثل السياسة الحقيقية التي تعتبرها الدوحة "مسألة مبدأ". الحقيقة المرة تقول إنه من الصعب على أي مراقب أن يقتنع بأن قطر قررت أخيراً أن تتخلى عمّا تراه أنه "مبدأ" و"عدم رضوخ" وتختار العقل والمنطق. يمكن القول إن "وثيقة الرياض" هي الملجأ الأخير وقارب النجاة الوحيد الذي يحمله المركب الخليجي للشقيقة قطر. الكرة الآن في ملعب الدوحة، والسياسة القطرية وحدها هي التي تقرر تسجيل الهدف في المرمى الذي تراه يتوافق مع مصلحتها العليا. المخيف والمقلق، إن لم يسجل الهدف في مكانه الصحيح، سنخسر قطر، لكن خسارتها ستكون أكبر بكثير.
إنشرها