إلى متى تظل المشروعات الحكومية حبيسة الأدراج؟

|
يعتقد الكثير أنّ المشكلة التي تواجه تنفيذ "المشروعات الحكومية" تنحصر في تعثّرها، أو تأخّر تنفيذها، أو في سوء التنفيذ، الذي سرعان ما تنكشف سوأته خلال فترةٍ وجيزة من بدء تشغيله! في حين يغيب عنهم أنّ ما لا يقل خطراً عنها إنْ لم يكن أكبر من كل ما تقدّم؛ أنْ تظل تلك المشروعات الحكومية "حبيسة" الأدراج، فلا ترى النور أصلاً! إنّها "حفرة" تسبق وتعظمُ مخاطرها كل ما درج الجميع على مناقشته، من تعثّر أو تأخّرٍ أو سوء تنفيذ. لا يوجد موضوع تم التعليق عليه طوال السنوات الأخيرة، وتحليله في الشأن الاقتصادي المحلي كموضوع "المشروعات الحكومية"! فهو الذي نظر إليه البعض على أنّه كان وسيكون الركن الرئيس للنمو الاقتصادي منذ اشتعال الأزمة المالية العالمية في 2008، وهو أيضاً الذي جعله البعض "سبباً" لتضخّم الأسعار وارتفاع تكلفة المعيشة، وهو أيضاً "السبب" الذي برّرتْ به وزارة العمل وثلّة من المختصّين الارتفاع القياسي في أعداد العمالة الوافدة، إلى غير ذلك من المقولات والتعليقات التي يطول حولها الحديث كثيراً. معلومٌ أنّ غياب البيانات والإحصاءات المنتظمة النشر، سيكون من أخطر نتائجه اتخاذ القرارات والإجراءات الخاطئة، كما سيترتّب عليه الكثير من التفسيرات والكتابات غير الدقيقة، وفي نهاية المطاف سنجد أننا أمام صورةٍ تخالف الواقع تماماً. بل قد تزيد الأوضاع سوءاً؛ إنْ ترتّب على أي من تلك القرارات أو الإجراءات المبنية على "غيابٍ" للمعلومات اللازمة، مشكلات وتحديات جديدة كنّا في غنى تام عنها. يُحمد لمؤسسة النقد العربي السعودي ما تقوم به من نشرٍ دوري منتظم للبيانات الاقتصادية والمالية، وتوسّعها الإيجابي من فترةٍ إلى أخرى على مستوى الإفصاح المنتظم للعديد من الإحصاءات المهمّة، كان من أهمّها ما قامتْ به أخيراً من تفصيلها الدقيق لحساب "ودائع واحتياطي الحكومة" في جانب مطلوبات المركز المالي للمؤسسة، مفنّدةً إياه وفق التالي: "جاري" الحكومة، الاحتياطي العام للدولة، مخصصات مشروعات حكومية "يمثل ما تم الالتزام به وتخصيصه للصرف على تلك المشروعات"، وتعتبر بيانات البند الأخير من أهم البيانات التي كنّا ننشدها كثيراً. وفقاً لبيانات مؤسسة النقد؛ بلغتْ مخصصات المشروعات الحكومية بنهاية 2013 أكثر 476.1 مليار ريال، مثّلتْ ما سبق أنْ أعلنتْه الحكومة من مشروعات تنموية في أوقاتٍ سابقة! سنكتشف معاً بعد قليل تفسيره وإيضاحه. ظلّت قيمة تلك المخصصات تسجّل ارتفاعاً لافتاً منذ مطلع 2012، حسبما أوضحتْه بيانات مؤسسة النقد في نشرتها الإحصائية الشهرية الأخيرة، حيث ارتفعت من 57.3 مليار ريال بنهاية 2011 إلى 312.8 مليار ريال بنهاية 2012، ثم إلى أكثر من 476.1 مليار ريال بنهاية 2013. وبالنظر إلى ما تضمنته بيانات الميزانية المالية الصادرة عن وزارة المالية خلال الفترة 2013-2011، سنجد أنّها أعلنتْ قيما للمشروعات الحكومية الجديدة المعتمدة بلغ مجموعها التراكمي للفترة 806 مليارات ريال، لأجل تنفيذ 6930 مشروعا حكوميا جديدا، توزّعتْ مسؤولية تنفيذها على الأجهزة الحكومية كافّة. وبمقارنة قيمة تلك الاعتمادات الجديدة بمبالغ المخصصات المرصودة أعلاه لدى مؤسسة النقد، سيصبح مجموع ما تم البدء بتنفيذه والصرف عليه من تلك المشروعات نحو 329.9 مليار ريال، أي ما نسبته 40.9 في المائة. ما يعني في المقابل أنّ بقية المشروعات المعتمدة في الميزانيات الحكومية السابقة للسنوات الثلاث الأخيرة، ما زالتْ على قيد الانتظار، أو حبيسة أدراج الأجهزة الحكومية المعنية بها، والبالغ قيمتها أكثر من 476.1 مليار ريال "59.1 في المائة من إجمالي قيمة الاعتمادات". إننا والحال تلك؛ أمام مشكلة إنمائية أكبر من المشكلات المجتمعة لتعثّر وتأخّر وسوء تنفيذ المشروعات الحكومية! كما أننا سنتساءل مرةً أخرى حول صحّة المبررات التي وقفتْ خلف زيادة كل من التضخم واستقدام العمالة الوافدة، خاصةً الزيادة المفرطة في الاستقدام! وإنْ صدقتْ تلك المبررات جدلاً؛ هل كانتْ وتيرة ارتفاع كلٍّ من التضخم والاستقدام ستكون أكبر لو تم صرْف ما تم اعتماده بالكامل للفترة الماضية "806 مليارات ريال"؟! إنّها الملفات الاقتصادية الأكثر أهمية على الإطلاق من أية ملفاتٍ اقتصاديةٍ أخرى. كيف لا؟ وهي كما سبق وأوضحتُ سابقاً، أنّ أية تأخيرٍ أو تعثرٍ أو تعطيلٍ في تنفيذ المشروعات الحكومية، هو المغذّي الأول والأكبر لما يُسمّى "الفجوة الإنمائية"، سبق تعريفها بأنّها تلك الفجوة المتمثلة في "الفارق" بين احتياجات ومتطلبات المواطنين "خيارات الحياة" من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى ما تم إنجازه من الجهات الحكومية تلبيةً لتلك الاحتياجات والمتطلبات. أمثلتها كثيرة جداً؛ كالمستشفيات وأسرّة التنويم وعدد الأطباء، والمدارس، والطرق والخدمات البلدية، والمساكن، وغيرها كثير مما يُفترض تلبيته بالكفاية والكفاءة اللازمة من احتياجاتٍ إنمائية عديدة لدى مختلف شرائح المجتمع. إنني أوجّه مجمل الأسئلة الحائرة حول تلك المشروعات الحكومية، على مستوى: (1) عدم تنفيذها من الأصل. (2) تعثّرها. (3) تأخّرها. (4) سوء تنفيذها. إلى كلٍّ من ديوان المراقبة العامّة، هيئة مكافحة الفساد، المجلس الاقتصادي الأعلى، مجلس الشورى، وكل جهةٍ من الجهات الحكوميّة التي تعرّضتْ مشروعاتها لأيٍّ من تلك الحالات! أُعيد توجيهها لتلك الجهات على الرغم أنّه طوال السنوات الأخيرة، لم يصدر من أي جهةٍ منها، أيّ إجابةٍ شافية، أو حتى تلميح مختصر، يبيّن الأسباب أو الحلول المتعلقة بهذه المشروعات الحكومية، والحالة المؤسفة التي وصلتْ إليها! وهل هناك جهاتٌ أخرى خلاف ما ذُكر أعلاه، يمكن توجيه تلك الأسئلة إليها؟! يجب الحذر كل الحذر من تفاقم مخاطر تلك "الفجوة الإنمائية"، التي كما يبدو أنّها تخفي تحت ردائها الأسود: (1) سوء الإدارة والتقصير من الأجهزة المعنيّة بتلك المشروعات. (2) توغّل الفساد في العديد منها. (3) غياب المتابعة والرقابة والمحاسبة. إنّ أبلغ ردٍّ ينتظره الوطن والمجتمع، هو التحرّك الجاد والسريع نحو القضاء على تلك المخاطر، اللهم إنّا نسألك تحقّقه عاجلاً غير آجل.
إنشرها