هل نحن أمام مفترق طرق؟

|
كثيرا ما يقال ويُنشر ويُصرَّح به من أن مستقبل الإمدادات النفطية على مستوى العالم في وضع جيد. فلا خوف من شح أو نقص في وفرة هذه المادة السحرية التي كانت بحق الأساس في بناء حضارة الإنسان العصرية والتقدم الاقتصادي والعلمي المذهل، خلال ما يربو على المائة عام وحتى يومنا هذا. وفي الواقع أن ما تقدم ذكره فيه الكثير من التفاؤل المبني على جملة من التخمينات والتقديرات غير الدقيقة ومعلومات ليست موثقة. وحتى لو افترضنا جدلاً وجود كميات كبيرة من المصادر الهيدروكربونية لم تُستغل بعد، مثل الصخور والرمال النفطية وما في أعماق البحار وتحت الجليد، فإنتاجه ليس فقط مكلفًا ماليًّا وطاقويًّا، بل إنه أيضا غير مقبول بيئيًّا من معظم الشعوب. ومن أجل أن نكون أكثر واقعية، نقول إن العالم اليوم على وشك الدخول في حقبة جديدة من الزمن ينتهي فيها عصر النفط الرخيص وإمداداته الهائلة، نتيجة لسوء التقدير من جانب المجتمع الدولي، ولسوء إدارة الموارد وقصر النظر من جانب المنتجين. وتقدِّر التخمينات غير المنضبطة أن الاحتياطي العالمي من النفط يزيد بكثير على خمس تريليونات من البراميل، تشمل التقليدي وغير التقليدي. ونقصد بالتقليدي النفوط ذات التكلفة المنخفضة التي تمد العالم اليوم بأكثر من 85 في المائة من احتياجاته النفطية، ومنها نفوط الشرق الأوسط. وتذكر الإحصاءات الرسمية التي تتداولها معظم الهيئات والمؤسسات المعنية بشؤون الطاقة أن الاحتياطي المتبقي من النفط التقليدي بعد أكثر من عشرة عقود من الإنتاج المكثف لا يزال في حدود تريليون و600 مليون برميل. ونحن نتمنى لو كان ذلك صحيحًا. ولكن ظننا واعتقادنا أنه لا يزيد على تريليون واحد على أكبر تقدير. وسبب الاختلاف في الرأي يعود إلى غياب الشفافية وتسلط الأهواء السياسية لدى المنتجين. ولن يعترف أحد منهم، وعلى وجه الخصوص أعضاء منظمة الأوبك، أنه بالغ في تحديد كمية الاحتياطي المتبقي بعد عشرات السنين من الإنتاج. وإن كان ذلك واضحًا من الاحتفاظ برقم ثابت لفترة قد تقترب من 30 عامًا دون تغيير، وكأن الاكتشافات الجديدة تتوالى عاما بعد عام، وهو ما لم يحدث. ولو أن أمر المبالغة اقتصر على جهة واحدة لقلنا ربما أن هناك شيئا من المصداقية. ولكن عندما تجتمع جميع دول المنظمة على مبدأ واحد، فهذا مما يثير في النفوس بعض الشكوك. إذ من المستحيل أن تكون الظروف والمواصفات بين تلك الدول متطابقة. وليس هذا مجال شرح الظروف والملابسات التي أدت إلى ممارسة سياسة تضخيم كميات الاحتياطي النفطي الذي كانت بدايته منتصف الثمانينيات الميلادية. وبما أن العالم مقبل لا محالة على مرحلة ستتميز بشح مخيف في الموارد النفطية الرخيصة، فإننا نخشى أن نكون ضحية للجشع الدولي الذي ربما يصر على استنزاف ثروتنا النفطية المحدودة بأكبر قدر ممكن، حتى ولو أدى ذلك بنا إلى صرف مبالغ هائلة من أجل إنشاء مرافق جديدة لزيادة الإنتاج. وهذا ما سميته "مفترق طرق". فنحن أمام أمرين. إما أن نبدي اعتراضًا شديدًا لأي محاولة للضغط علينا لرفع كمية الإنتاج عن المستوى الذي يفي بالحد الأدنى من متطلبات اقتصادنا، أو نستسلم على حساب مستقبل بلادنا وأجيالنا رغم خطورة ذلك على حياتنا فوق تراب هذه الصحراء المجدبة. فنحن لنا ظروفنا الخاصة بنا وجزء لا يتجزأ من خصوصية شعوبنا الخليجية. نعيش فوق أرض بلا موارد، خالية تمامًا من جميع مقومات الحياة. وحتى المصادر المائية الشحيحة أصبحت أكثر شحًّا وأصعب إنتاجًا. ومع مرور الوقت تحتاج إلى كمية أكبر من الطاقة لرفعها من باطن الأرض. وشعبنا الله يحفظه، الذي كان في الماضي القريب يكدح ويعمل بكل طاقته من أجل كسب لقمة العيش، أصبح معظم أفراده اليوم مترهلين ومترفين من قلَّة النشاط واعتمادهم شبه الكلي على الأيدي الأجنبية التي لا تألوا جهدًا في إنهاك اقتصادنا بطرق شرعية وغير شرعية. وهذا الوضع الاجتماعي المأساوي يشاركنا فيه أشقاؤنا في دول الخليج. وحتى لا يتهمنا أحد بالمبالغة، نقول لهم انظروا إلى حجم الناتج القومي الحقيقي "والمعدوم طبعًا" في ميزانية الدولة، مقارنة بالدخل النفطي. وهذا الوضع يلح علينا بأن نكون صرحاء مع أنفسنا ومع من لا يرون غضاضة في استنزاف ثروتنا النفطية المحدودة، ونقصد بذلك المجتمع الدولي الذي لا يهمه إلا مصالحه الخاصة. ونحن لا نلوم الآخرين، بل نحرص ألا نكون ضحية لأطماعهم. ولا ندعو إلى انسحاب من الساحة الدولية ولا التخلي عن دورنا كعامل استقرار في مجال تصدير الطاقة والحفاظ على التوازن بين الاستهلاك العالمي للمشتقات النفطية والإمدادات المطلوبة. ولكن نرجو ألا نتحمل العبء الأكبر من مسؤولية الاستقرار الاقتصادي على حساب مستقبل شعوبنا وأجيالنا، مبررين ذلك بأن لدينا ثروة لا تنضب. فالبقاء الدائم لله وحده. وهنا يأتي دور اختيار التوجه الذي نريده ويخدم مصالحنا المستقبلية، ونحن نقف في مفترق الطرق، إما إلى المجهول أو الطريق السليم الذي يقودنا -بإذن الله- إلى بر الأمان. ولعله من نافلة القول إن الأحرى بنا، بصرف النظر إلى أي طريق نسير، هو العمل على إيجاد مصادر جديدة للدخل لا تكون مرتبطة مباشرة بالمداخيل النفطية. فلدينا الأموال الاستثمارية، ولدينا الإرادة والرغبة ولكن ينقصنا التخطيط القابل للتنفيذ والقدرة على إدارة المشاريع وبُعد الرؤية التي هي أساس وضع وبناء الاستراتيجيات بعيدة المدى.
إنشرها