تشارلز تاونسند لديه مشكلة. الرئيس التنفيذي لـ "كوندي ناست" لا يستطيع التخلص من خمسة أعوام من الكآبة. ففي حين تشهد أعمال شركة الإعلام الخاصة التي تنشر مجلات "فوج" و"فانيتي فير" و"ذي نيويوركر" حالة من التحسن، يجد تاونسند صعوبة في إلهام موظفيه للتفكير والتصرف بتفاؤل مرة أخرى.
لقد مضى ما يقارب نصف عقد منذ أن اعتمدت "كوندي ناست" التي تعتبر منارة الفخامة منذ مدة طويلة، معايير جديدة من التقشف. فقد أدى الركود الاقتصادي عام 2008 إلى انهيار الإنفاق الإعلاني في الوقت نفسه الذي كانت فيه ثورة التكنولوجيا تهُز أساسات الشركة. ويقول: "أصبح واضحاً بشكل مؤلم أن الأمور بدأت تنحل".
اقتصدت كوندي ناست في المصاريف، وألغت بعض المجلات، وخفضت التكاليف. وتوترت الصناعة بسبب هذه الخطوات، ذلك أننا نتحدث هنا عن كوندي ناست، دار النشر التي كان شعارها لأعوام هو صرف الأموال لجني الأموال. يقول تاونسند بصوت مبتهج: "هناك نزعة محافِظة طبيعية ولِدت من هذا الخوف الذي دام 60 شهراً من الظلام والخسارة والكآبة التي يجب تغييرها إلى الأحسن". قال هذا وهو يجلس على رأس قاعة المؤتمرات في الجناح التنفيذي لمقر "كوندي ناست" في قلب تايمز سكوير في نيويورك. وكانت صور القوارب الشراعية تزين الجدران.
#2#
يضيف وهو يشير إلى أن الشركة فقدت فرصاً رقمية بسبب ذلك: "النزعة المحافِظة مبنية على حساسية الموظفين. فما الذي يجعلهم يضعون ميزانية لمزيد من النمو؟ إذا فعلوا ذلك خلال فترة الركود، لكانوا قد فوتوا أهداف ميزانياتهم وفقدوا فرصتهم لكسب الأموال وفقدوا فرصة التميّز".
ولإحداث انقلاب في هذه النظرة، اختار تاونسند أن يعطي النصائح باتباع النظرة الإيجابية. فهو يؤكد ثقته في أن الاقتصاد تحوّل نحو الأحسن وأن هناك زخماً وراء أعمال كوندي ناست الخاصة. فقد ارتفعت عوائد الإعلان المطبوع في "كوندي ناست" بنسبة ضئيلة بلغت 3.3 في المائة عام 2013؛ وارتفعت عوائد الإعلان الرقمي بنسبة أخرى بلغت 28 في المائة. (هذه الأرقام تمثل تناقضاً صارخاً مقارنة بأرقام الأعوام السابقة، عندما انخفض إنفاق الصناعة على الإعلانات بنسبة تصل إلى 15 في المائة).
ويقول: "إنه مجرد جهد مستمر. هذا هو ما تنطوي عليه القيادة".
وبصفته الرئيس السابق لنادي يخوت نيويورك، ويملك يختاً يحمل اسم "العدد الحالي"، لدى تاونسند البالغ من العمر 69 عاماً، الحضور القيادي للرئيس التنفيذي المخضرم الذي تصوره أفلام هوليوود. وبشعر أشقر خفيف وعينين زرقاوين قويتين، يضحك بحرارة أثناء المقابلة، ويقوم بعمل إيماءات بذراعيه ويضرب بيديه بقوة على الطاولة.
النشر يسري في دمه. فهو يبتسم عندما يتحدث عن منشورات المجموعة، ويقول إنه يحب عندما تقوم آنا وينتور، رئيسة التحرير منذ فترة طويلة لمجلة فوج الأمريكية، بمشاركة الأعداد المقبلة معه: "حماسها يثيرني تماماً. من الواضح أني لست مخضرماً في عالم الأزياء، لكن لا بأس بذلك". ويقرأ "ذي نيويوركر" كما قال "للحفاظ على توازن متحرر جيد باعتباره محافظاً يمينياً"، ويأمل لو أنه "مطّلع بما فيه الكفاية "لأكون معجباً حقيقياً بمجلة وايرد Wired، لكني لست كذلك".
وعلى الرغم من أنه محاط بعقول مدبرة مبدعة، فهو أول من يعترف بأنه ليس من النوع الإبداعي. فقد تم تعيينه في منصب الرئيس التنفيذي عام 2004. وخلال فترة ولايته الأولى في القمة كان علم الابتكار في يد سي نيوهاوس، رئيس مجلس إدارة الشركة منذ فترة طويلة. و"كوندي ناست" مملوكة لأدفانس ببليكيشن، الشركة الخاصة التي تملكها عائلة نيوهاوس. وبعد تقاعد نيوهاوس، يقول تاونسند "كان هناك فراغ واضح وملموس، وكان حلّه هو تعيين وينتور لتصبح المديرة الفنية لكوندي ناست".
ويقول "إن لها تأثيراً بالفعل"، مشيراً إلى مجلة لاكي Lucky، وهي مجلة التسوق التي عانت انخفاضات في إيرادات الإعلان في السنوات الأخيرة. ثم عينت رئيس تحرير جديدا شابا أعاد صناعة المجلة وعروضها الرقمية. ومن المتوقع حدوث مزيد من التغييرات في مجلتي "جلامور" و"كاندي ناست ترافيلر". ويقول: "أنا لست شخصاً مبدعاً، ودائماً ما كان لهذه الشركة قيادة إبداعية، وينتور هي الحل".
بدأ تاونسند مسيرته المهنية في مجال الإعلام في السبعينيات في ميامي، حيث كان يبيع إعلانات المجلات باعتباره صاحب مشروع في شركته الخاصة لمبيعات الإعلان، ثم باعها لشركة هيرست وانضم إليها ناشرا لمجلتي "موتور بوتينج آند سيلينج" و"سبورتز أفيلد". وبعدها أصبح تاونسند الرئيس التنفيذي لقسم مجلة المرأة في "نيويورك تايمز" قبل انضمامه لـ "كوندي ناست" ناشرا لمجلة "جلامور" عام 1994.
وتسلق تاونسند بسرعة ليصل إلى أعلى المناصب، فبحلول عام 2000، عُين في منصب كبير الإداريين التشغيليين وتولى المنصب الأعلى بعد ذلك بأربعة أعوام، ليعمل جنباً إلى جنب مع نيوهاوس.
يقول تاونسند "إن أعمال كوندي ناست تختلف كثيراً اليوم عما كانت عليه قبل عقد من الزمن، عندما كان لديها تركيز أضيق بكثير على نشر المجلات، اليوم تحاول الشركة تصنيف نفسها ليس دار نشر، بل شركة إعلام تستفيد من العصر الجديد الذي تتداعى فيه الجدران بين المطبوعات، والتلفزيون، والإعلان، والتجارة".
ويضيف تاونسند، وهو في عجلة من أمره: "الآن هي تأتيك من كافة الاتجاهات، دون توقف، كل شيء لديه فرصة ملتفة نحوه - على الأقل إنها ممثلة بهذه الطريقة، الأفق مختلف جداً الآن بحيث لا تستطيع المجيء إلى هنا في الصباح وأنت تحمل فكرة عما يمكن أن تواجهه بالضبط خلال اليوم لأنها أجندة مختلفة، وقائمة لا تنتهي من الأشياء التي عليك القيام بها".
يعترف بأن تطوير الأسلوب الصحيح تجاه الإنترنت استغرق وقتاً طويلاً من "كوندي ناست": "لقد قمنا بها بالطريقة الصعبة، تعلمنا بعيون سوداء من كثرة اللكمات وأنوف تنزف".
ولفترة طويلة وضعت "كوندي ناست" تركيزاً أقل على إنشاء مواقع مرتبطة بعلاماتها التجارية المشهورة، لمصلحة إنشاء مواقع وجهات جديدة، مثل إبيكيوريوس للطعام وستايل للأزياء. ورغم ذلك، اعتمدت "كوندي ناست" تدريجياً نهجاً أكثر فاعلية لأعمالها الرقمية، التي أصبحت تحقق الأرباح وفي طريقها لنمو متين مرة أخرى في السنة المقبلة. يقول تاونسند: "احتجنا أكثر من 16 عاماً للوصول إلى هناك، وهو ما يعطيك المجال لكي تضحك ضحكة خفيفة قليلاً عندما تصل. لكن حتى ذلك اليوم من الوصول، تشعر بألم قليل أنك قضيت كل ذلك الوقت في التعلم ولم تدخل في مجال الأرباح، لكننا كذلك الآن".
ذلك يعني أن "كوندي ناست" تخوض الآن مجالات كانت خارج مجالها في السابق. ويشير إلى الذراع الترفيهية للشركة التي تعكف على تطوير وإنتاج وتوزيع فيديوهات التلفزيون والأفلام والفيديوهات الرقمية الأصلية. ويقول "على الرغم من أن الشركة الأم، أدفانس ببليكيشن، تملك حصة في تلفزيون الكيبل القوي، ديسكوفري كوميونيكيشن، إلا أن "كوندي ناست" فشلت في اغتنام فرصة إطلاق أعمال تلفزيون كيبل وحدها قبل ثلاثة عقود من الزمن،
وأصبح لديها الآن فرصة ثانية للمنافسة بفضل ظهور التلفزيونات المتصلة بالإنترنت". و"كوندي ناست إنترتينمنت" التي أطلقت عام 2011، حصلت على أكثر من 560 مليون مشاهدة فيديو رقمي وتقوم بتشغيل سبع قنوات فيديو رقمية. ولديها أيضاً أكثر من 30 مشروع فيلم قيد التطوير، أحدها مبني على مقال في مجلة "وايرد" Wired عن جون ماكافي، مؤسس شركة مكافحة الفيروسات الذي هرب من السلطات ويعيش الآن في بليز.
وعلى الرغم من أن تاونسند يشعر بأن الرياح تجري لمصلحته، يقول "إن التطورات في شركة منافسة تُلقي ظلالاً قاتمة على أعماله".
وخطة تايم وورنر لفصل شركة تايم، التي تنشر مجلات "تايم" و"بيبول" و"سبورت إليستريتد"، تحظى بكثير من الاهتمام، ليس لأنها واحدة من أكبر دور النشر فحسب، بل أيضاً لأن تفاصيلها المالية علنية. فقد تراجع إجمالي الإيرادات في شركة تايم نحو الربع منذ عام 2008 إلى 2012 ليصبح 3.4 مليار دولار.
ويقول تاونسند: "العالم يقول: أنتم جميعاً مفلسون. إذا كانت شركة تايم في هذه الفوضى، فلماذا لا تكون "كوندي ناست" في الفوضى نفسها؟ لكن نحن لسنا كذلك". وهذا ألهم تاونسند التركيز أكثر على تسويق العلامة التجارية لـ "كوندي ناست" - بدلاً من المجلات الفردية - ورواية قصة الشركة.
فصل جديد من تلك القصة سيبدأ العام المقبل عندما تنقل المجموعة مقرها من تايمز سكوير إلى ناطحة السحاب الجديدة الأولى لمركز التجارة العالمي في الحي المالي في مانهاتن. والانتقال، كما يقول تاونسند، سيكون لحظة حاسمة في تحوّل "كوندي ناست" من ناشر للمجلات إلى قوة إعلام رقمي جديدة.
ويقول: "إعادة اختراع الشركة في مكانها الحالي صعب جداً، أمر صعب جداً، لأن كل شيء هو تعزيز لما كان". ويضيف ملوحاً بذراعه: "هذا كله سيختفي، ومكاني هناك سيكون ممثلاً لحياة جديدة".


