بداية طيبة للعام الجديد بالنسبة لأصحاب العقارات في بريطانيا، خاصة في لندن، فتقرير هيئة تسجيل الأراضي كشف أن أسعار الوحدات السكنية في العاصمة البريطانية ارتفعت بأكثر من 10 في المائة سنوياً وفقاً لأسعار شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، كما ارتفعت أسعار جميع المنازل في إنجلترا ومنطقة ويلز بنسبة 3.2 في المائة ليصبح متوسط ثمن المنزل 165411 جنيهاً استرلينياً.
لكن منطقة وحيدة فقط في مجمل أنحاء المملكة المتحدة هي التي عانت من تراجع الأسعار وهي شمال شرق بريطانيا، حيث بلغ متوسط سعر العقار السكني فيها نحو 97 ألف جنيه استرليني، وهو تقريباً ربع نظيره في لندن، ويعلق مختص العقارات آدم ارلي على هذه الأنباء لـ "الاقتصادية" بالقول: "الفضل في ارتفاع الأسعار في لندن يعود بالأساس إلى المستثمرين الأجانب، كالروس والصينيين والعرب القادمين من منطقة الخليج وبعض أصحاب الثروات الضخمة من اليونان، فهؤلاء يبحثون عن ملاذ آمن لثرواتهم، كما أن مستوى المعيشة المرتفع في لندن يدفعهم إلى الإقامة فيها لفترات طويلة كل عام.
وأضاف أن هذا الإقبال الشديد من قبل الأثرياء للاستثمار في سوق العقارات بلندن يفتح أفقاً جديدة للعاصمة البريطانية للتطوير، إلا أن إقبال الأجانب على شراء الوحدات السكنية في لندن وتأثيره الإيجابي على مستويات الأسعار لا ينفي أن الحكومة البريطانية قد قامت من جانبها بإجراءات ساعدت على تعزيز الطلب المحلي، خاصة من قبل الطبقة المتوسطة.
وأطلقت الحكومة مشروعاً يعمل على دعم الراغبين في شراء منزل لأول مرة، بينما لا يمتلكون الدفعة الأولى واجبة السداد لإتمام عملية الشراء، وقد التزمت الحكومة بسداد جزء كبير من تلك الدفعة المالية، وهو ما أوجد ثقة شديدة من قبل المواطنين، خاصة الأشخاص حديثي الزواج للمضي قدماً وإتمام التعاقد لشراء منزل، إلا أن ردود الفعل حول تلك السياسة الحكومية تباينت بين مؤيد ومعارض.
فالمؤيدون ومن بينهم جون روبين الاستشاري في الشركة الملكية للعقارات يعتبر أن القرار الحكومي ساهم في إنقاذ قطاع العقارات البريطاني ويقول لـ "الاقتصادية"، إن الأزمة التي تفجرت عام 2008 تركت بصمات سلبية شديدة على سوق العقارات، فانخفض معدل الطلب بشدة، وإذا كانت لندن قد مثلت حالة استثنائية، فإن ذلك يعود إلى المستثمرين الأجانب، أما باقي أنحاء المملكة المتحدة فقد شهد تراجعاً على شراء الوحدات السكنية، ولهذا انعكاسات سلبية على الاقتصاد، وكان تواصله يعني المزيد من الركود.
وأضاف أن الخطة الحكومية بمساعدة المواطنين، خاصة الشباب في شراء منزل أدى إلى تحسن أداء الشركات العقارية وتحقيق معدلات ربح جيدة تم ضخ جزء كبير منها مرة أخرى في عمليات توسيع وبناء لوحدات عقارية جديدة في مختلف أنحاء المملكة، وعلى الرغم من أن هذا الإجراء لم يساهم في حل مشكلة السكن في بريطانيا تماماً، لكنه ساعد على الحد من تفاقمها.
وعلى النقيض من وجهة النظر تلك، تعترض الدكتورة انا اريك على السياسات الحكومية القائمة على تعزيز الطلب على الوحدات السكنية، وتصرح لـ "الاقتصادية"، بأنه قد يبدو للوهلة الأولى أن القرارات الحكومية صائبة فهي ترضي احتياجات العديد من القطاعات الاجتماعية، خاصة شباب الطبقة المتوسطة في امتلاك منزل، لكن الآثار المستقبلية ستكون كارثية على مجمل الاقتصاد البريطاني.
وأشارت إلى أن المشكلة تكمن في أن عملية اقتناء منزل لا تتم، لأن المواطن البريطاني قادر على ذلك، وإنما لأن الدولة تدعمه مما يخلق فقاعة عقارية زائفة، وهذه الفقاعة ستواصل الارتفاع ولن تستطيع الدولة أن تواصل دعم تلك الفقاعة فيحدث الانهيار على غرار ما حدث في أمريكا.
وتؤكد الدكتورة انا اريك، أن الحل الأمثل ترك الأمر للعرض والطلب، وأن تصحح السوق نفسها بنفسها، فلا يجب أن تتدخل الدولة في الشأن الاقتصادي إلا في الحدود الدنيا لكن بتدخلها الراهن في سوق العقارات فإنها تخلق لدى المواطنين أوهاماً بأن لديهم قدرة على امتلاك منزل وهذا ليس بصحيح.
وأوجد الطلب المتزايد على العقارات في بريطانيا إجمالاً ولندن تحديداً، مجموعة جديدة من الظواهر المعمارية التي لم يكن معتاد عليها في المملكة المتحدة، فوفقاً لآخر البيانات الرسمية المتاحة فإن متوسط مساحة المنزل في بريطانيا هو 818 قدماً مربعاً، وبذلك يكون سكان المملكة المتحدة يقطنون أصغر مساحة سكانية بالنسبة لبلدان أوروبا الغربية برمتها.
ونتيجة الضغط السكاني وقلة المعروض من المنازل، فإن هذا يؤدي في كثير من الأحيان إلي تقسيم المنزل الواحد لأكثر من وحدة سكانية ليقيم فيها أكثر من أسرة، وقد تقلصت مساحة السكن في بريطانيا بنسبة 10 في المائة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 30 سنة سابقة، ودفع هذا التراجع في المساحة السكانية المتاحة لبروز ظاهرة جديدة في العديد من المساكن الفاخرة في لندن وخارجها تعرف باسم "عصر الأقبية".
ويشرح مهندس الديكور سيمون أورلند من شركة "لندن للأقبية" هذه الظاهرة لـ "الاقتصادية"، بأن العديد من المساكن الفاخرة في لندن يوجد بها "أقبية" تستخدم تقليدياً كمستودع لأجهزة التدفئة، وكانت تعتبر جزءاً "ميتاً" أو مهجوراً من المنزل، وتلك الأقبية تتحول الآن إلى حمامات سباحة أو صالات للألعاب الرياضية أو حتى قاعات للسينما أو مكتبة تضاف للمنزل، وترفع من قيمته بما يتراوح بين 15-20 في المائة من القيمة الإجمالية، وهذا يكشف عن حجم الطلب المتزايد على تحويل الأقبية بأنه في أي وقت من أوقات العام يكون لدينا ما يتراوح بين 12-15 مشروعا في ذات الوقت.
ويشير مجلس بلدية حي كينسنجتون وتشيلسي أفخر أحياء لندن إلى ارتفاع عدد الطلبات التي ترغب في تطوير "أقبية المنازل" بنسبة 80 في المائة عام 2013 لتصل إلى 1550 طلباً، وبالمقارنة بعام 2011 فإن عدد الطلبات تضاعف، حيث لم يتجاوز حينها 659 طلباً، لكن ظاهرة تحويل "الأقبية" من أماكن مهجورة داخل المنزل إلى مكان للاستمتاع، أدت إلى تفجير عدد من المنازعات القانونية بين الراغبين في ذلك وجيرانهم، وقد دفع ذلك بمجلس اللوردات البريطاني لتمرير مشروع قانون بشأن مدونة قواعد سلوكية للتعامل مع هذه الظاهرة "الأقبية".
وتشير وسائل الإعلام البريطانية إلى أن أثرياء لندن يخوضون صراعاً مع الزمن لتطوير أقبية منازلهم قبل إعلان السلطات المحلية عن القواعد المنظمة لعملية التطوير خلال عام 2014 والتي ستكون في الغالب أكثر تشدداً، حيث يتوقع أن تبلغ المصاريف الإدارية لمنح بلدية الحي موافقتها على تطوير قبو المنزل نحو 800 ألف جنيه استرليني، وهو مبلغ يكفي لشراء منزل فاخر في ضواحي العاصمة لندن.
ويعلق بعض الخبراء على هذه التوجهات الجديدة في أسواق العقار البريطاني بأنها تعود لضريبة الدمغة العقارية والتي تقدر بنحو 7 في المائة على المنازل التي يزيد سعرها على مليوني جنيه استرليني، وهو ما يدفع الأثرياء إلى تطوير منازلهم بدلاً من شراء منازل جديدة.

