إدراك نظرية ''الذكاءات المتعددة'' وتأهيل التربويين على استيعابها وتطبيقها، هو المفتاح السحري الحديث لتحويل مدارسنا خاصة الابتدائية إلى جامعة مصغرة وبيئة جاذبة وماتعة ومنتجة، تضاهي التعليم في دول العالم الأول. يقول لـ ''الاقتصادية'' أكاديميون وتربويون: إن بعض المعلمين يفوت الاهتمام بتنوع ذكاءات الطلاب في الفصل والتعامل معهم وفق قدراتهم العقلية الموهوبة من الخالق عز وجل، مشيرين إلى أن هذا يوقعهم في كثير من العقبات ويهدر الكثير من وقتهم وجهدهم سدى، لأن الطلاب يختلفون فمنهم من ذكاؤه حركيا ومنهم من ذكاؤه لغويا أو بصريا ''مكانيا'' أو اجتماعيا أو منطقيا ''الرياضيات''.
وأكدوا أنه عند التعامل الأمثل مع هذه الذكاءات المتنوعة من شأنه أن يحول التعليم من حالة التلقين السائدة إلى استغلال أعلى درجات الذكاء والعبقرية عند بعض الأطفال.
ويؤكد لـ ''الاقتصادية'' الدكتور إبراهيم بن عبد الله الحميدان أستاذ المناهج المشارك في جامعة الملك سعود والمدرب المعتمد لدى الأكاديمية البريطانية لتطوير الموارد البشرية، إن تطبيق استراتيجيات الذكاءات المتعددة تجعل الطلاب أكثر فاعلية وتحقق مبدأ التوازن في التعليم وتجعله أكثر تشويقاً.
وأشار إلى أن هذه الاستراتيجية تسمح لجميع الطلاب أن يحققوا التميز في جانب معين فهي تتجاوز التقليدية في أن الذكي هو المتميز فقط في الجانب اللغوي والمنطقي أو يمتلك مهارة الحفظ، وتتوافق تماماً مع نظريات الدماغ التي تقسم القدرات داخل الدماغ إلى أجزاء مختلفة.
ولفت إلى أن هذه النظرية طورت طرق التدريس بشكل عام وبإمكانها إعطاء فكرة أعمق عن احتياجات الطلاب وبالأخص الطلاب غير المتميزين في البيئة التعليمية، كذلك وفرت للمدرس طريقة يطور فيها البيئة التعليمية بشكل يؤدي إلى تقوية المعلم والطالب.
واستعرض الدكتور الحميدان بحثا قدمه أخيرا في المؤتمر الدولي للمعرفة والتعلّم الاستكشافي بالعصر الرقمي، والمنعقد في ريو دي جانيرو البرازيلية، وهو مؤتمر يهدف إلى معالجة القضايا الرئيسة المهمة في عمليات التعلم والدعم التربوي والتطبيقات المعرفية في العصر الرقمي، مشيرا إلى أن الدراسة تمحورت حول الذكاءات المتعددة وتطبيقاتها التربوية.
وأضاف أن ''البحث العلمي أكد أهمية الذكاءات المتعددة وضرورة أن تجد العناية الكافية من قبل المشتغلين في الحقل التربوي، وأن إدراك هذا الحقل المعرفي من قبل المعلم والقائد التربوي، يسهل كثيرا من عمليّة التعليم والتعلّم، ويزيد من عمليات التفاعل داخل المدرسة، ويجعل المدرسة تبدو أكثر إمتاعا للطالب. كما بينت الدراسة حجم الفروق الفردية بين الطلاب وأنهم لا يتشابهون، حيث إن كل واحد من الطلاب يتعلّم بطريقة مختلفة فمن الخطأ أن يتم تعليمهم بطريقة واحدة على أنهم عقل واحد''. وقال: تمت مناقشة البحث مع لفيف من العلماء والخبراء التربويين وكذلك الأكاديميين من دول متعددة، مبدين بعض التحفظ على فلسفتنا التعليمية القائمة على عمليات التلقين، وأبدوا انزعاجا من طريقة تدريسنا الأطفال في المرحلة الابتدائية التي شبهوها بالجامعة المصغرة، وأن هذه الطريقة تجعل الطالب يشعر بالضجر كما أن تأثير المدرسة في حياة الطالب يكون محدودا جدا.
وبين أنه عبر فترات طويلة من تطورات النظريات التربوية، بقيت محاولات فهم الذكاء الإنساني من أجل تقنينه وتطويعه ونقله من مرحلة التفكير التقليدي إلى مرحلة التفكير الإبداعي تحدياً للمختصين في مجال التربية وعلم النفس؛ ومن أكثر صور هذه التحديات تعقيداً، طريقة تعلّم الفرد؛ مبينا أنه تحدث داخل عقل الإنسان آلاف العمليات العقلية المتداخلة والمعقدة، لذا فقد ظهرت النظريات والآراء التي تحاول فهم طريقة اكتساب المعرفة واستيضاح العمليات العقلية الداخلية والظاهرية التي تحدث وتؤثر في استقبال الفرد وطريقة التفكير لديه.
وتابع ''إن كل ذلك أدى إلى أن يضع أساتذة التربية وعلم النفس، وعلم تكوين المعرفة والمهتمين بدراسة تطوّر الإنسان؛ مجموعة من الأنماط تحاول تفسير طريقة اكتساب المعرفة ومعالجة المعلومات، وهذه الأنماط تعتمد على أساس دراسة التفكير الإنساني أو نظريات التعلّم أو دراسات التطوّر المعرفي''. وأردف ''إن الذكاء هو عملية التكيف مع تغير المواقف، أي إشارة واضحة إلى عملية القدرة على التأقلم مع المتغيرات، وهذا المفهوم وإن كان يبدو قصيراً لكن فيه من الشمول ما يجعله يحوي العديد من العناصر والمعطيات، فالقدرة على التأقلم مع المتغيرات يعني مهارة عالية ومرونة متميزة في تعاطي المستجدات سواء اجتماعية أو حركية أو ذهنية ... إلخ''.
في السياق ذاته، أكد سليمان بن عبد الله الحامد مشرف تربوي، وناشط في نشر ثقافة التعلم النشط في المدارس، أن المقررات الجديدة كلها تقوم على التدريس باستراتيجيات التعلم النشط والذكاءات المتعددة، مستدركا لكن معظم المعلمين ينقصهم التدريب والتأهيل على استغلال محتوى المنهج وتطبيقه.
ويرى سليمان الحامد أنه من الجانب التطبيقي في هذا الموضوع لا يقع الأمر جله على كاهل المعلم فقط بل على الكل تحمل مسؤوليته.
وأشار إلى المسؤولية تقع أولا على الإدارة العامة برسم الخطط الاستراتيجية وإعداد الكوادر الإشرافية مع الاعتمادات المالية اللازمة، والمشرف التربوي يجب عليه ممارسة الدروس النموذجية بحضور معلمي التخصص وتطبيق النظريات السابقة لإدارة معلميه، والمرشد الطلابي يمارس في الأسبوع الأول من العام التطبيق السابق على جميع فصول المدرسة بمساعدة إدارة المدرسة لتصنيف الطلاب، ثم يزود كل رائد فصل بالنتائج، وأخيرا المعلم يوزع المنهج وبربط كل موضوع بما يناسبه من استراتيجية ويعرضها على المشرف ليقر ذلك.
وأكد أن أنسب الاستراتيجيات لهذا المقام ''التعلم التعاوني، أسلوب حل المشكلات، التعلم النشط بجميع أشكاله''، مبينا ''ﻻ بد أن يتحول المعلم من خطيب وملق إلى قائد مجموعات أثناء الدرس''.

