نقل التكنولوجيات الدولية إلى المملكة وآفاقها الجديدة

|
في عاصمة المملكة، يقيم معهدان دورتين للتدريب المهني والتقني بمساعدة مختصي الصناعة اليابانية، إحدى هاتين الدورتين في الصناعة البلاستيكية، والأخرى في الصناعة الإلكترونية والأجهزة المنزلية. ويحرص الشباب السعوديون في هذين المعهدين أن يكون لديهم معرفة وتقنيات يحتاجون إليها في المجتمع بعد تخرّجهم منهما. فمناهج هذين المعهدين التدريبية مثبّتة وذات شهرة عالية. ولكن مختصين يابانيين يعملون هناك باجتهاد لتحقيق هدف أسمى من ذلك، وهو نقل ''الثقافة الصناعية'' اليابانية إلى الجيل السعودي الجديد، من خلال تنمية أخلاق العمل فيهم، وغرسها في أذهانهم. هذه الثقافة الصناعية مسمّاة في اللغة اليابانية ''مونو زوكوري''، وتعني ''صنع الأشياء''، وهي تعدُّ جوهر القوة الصناعية اليابانية. بالطبع، فإن نقل إحدى الثقافات التي تطورت من بلد إلى آخر هو ليس بالأمر السهل. إنّ لدى اليابان تاريخاً فريداً، وهو مختلف عن التاريخ السعودي. لذلك علينا أولاً أن نستطلع ملامح الأرض السعودية بشكل كافٍ، ثم نأخذ ذلك في الحسبان. وعلينا أن نفهم لماذا لم تتطور الثقافة الصناعية بشكل كاف في المملكة، على الرغم من ثرواتها الكبيرة، التي لم تمتلكها كثير من الدول الصناعية قبل تطورها الصناعي الهائل، مثل كوريا الجنوبية والصين. إلا أن مسيرة التطور الصناعي في المملكة كانت فريدة ولا مثيل لها في أنحاء أخرى من العالم. وبفضل وجود النفط، كانت ''سرعة'' و''مدى'' التطور السعودي بارزاً، والتحديث ونقل التكنولوجيات الدولي فاجأ مجتمع تقليدي محافظ. أسهم التغير السريع في المجتمع السعودي في نشر ''ثقافة الاستهلاك''، وقد مكّنت زيادة صادرات النفط السعوديين من شراء البضائع الأجنبية الغالية والتكنولوجيات المتقدمة، من دون اجتهادهم في تطويرها بأنفسهم. وزرعت هذه التجربة ''الروح الاستهلاكية'' في المجتمع السعودي، وهي راسخة فيه حتى الآن. لذلك فإن معظم التكنولوجيا التي يستخدمها السعوديون، ليس هم من يقوم على صناعتها أو تطويرها، بل هي في معظمها مستوردة من الخارج. وفي حالة كهذه، فإن ''الثقافة الصناعية''، بمعنى أن يكون هناك قوة عاملة تحاول تطوير التكنولوجيا بنفسها بدلاً من امتلاك تكنولوجيا خارجية، لم تحل بعد محل ''الثقافة الاستهلاكية''. وقد ذكر أحد المختصين اليابانيين في المعهد العالي للصناعات البلاستيكية في الرياض أن تاريخ تطور الصناعة البلاستيكية اليابانية هو تاريخ ''استبدال''، بمعنى أن صنّاع البلاستيك اليابانيين طوّروا تكنولوجياتهم من خلال -ومن أجل- محاولتهم استبدال البضائع الموجودة في حياتهم التي صُنعت بالطريقة التقليدية، ومن مواد تقليدية ببضائع يصنعونها، وكانت البضائع الأجنبية المستوردة غالية آنذاك. وأدّى تكرير هذه العمليات في الاستبدال إلى تحسين مستوى التكنولوجيات اليابانية على مدى مرّ السنين. بكلمة أخرى، للمستهلك ''الاختيار'' بين المنتجات المصنوعة، ولكن الصانع أولاً يفكّر في كيفية ''تحسين'' تلك المنتجات في مصنعه. ومن أجل تأسيس مجتمع صناعي في المملكة، يجب على السعوديين أن يكون لديهم ''ثقافة الصناعة'' بدلاً من ''ثقافة الاستهلاك''. ويتبع هذا التحويل ثلاث خطوات. أولاً: يجب على الشباب السعودي استشعار السعادة في عملية التصنيع، والاستمتاع بها. ويمكن لإدارات التربية والتعليم ومراكز التدريب المهني أن تسهم غرس ذلك في نفوس الشباب لتحقيق ذلك. ففي اليابان، تحتوي المناهج في المدرسة الابتدائية على مادة دراسية تسمى''زوكوو''، ومعناها ''الفنون والحرف''. وكما لدى المدرسة الإعدادية مادة تسمى ''غيجوتسو''، ومعناها ''التقنية''، يصمّم فيها الطلاب، ويصنعون بأنفسهم، شتى أنواع البضائع، مثل: رفوف الكتب، وأجهزة الإضاءة. وليس ذلك فحسب، بل إن الطلاب يكتشفون حس الإبداع من خلال هذه المناشط التي يمارسونها، وهم يفخرون بما أنجزوه من مصنوعات برهاناً على اجتهادهم. وتظل هذه السعادة ترافقهم حتى بعد تخرّجهم من المدارس والمعاهد. ففي المعهد السعودي للإلكترونيات والأجهزة المنزلية في الرياض ''معمل التركيبات'' يجد الطلاب سعادة كبيرة عندما يقومون بصنع أدوات تركيب كتل ''ليغو'' بأنفسهم. كما يمكن أن يكون للإعلام المحلي إسهام كبير جداً في تشجيع هؤلاء الشباب على الصناعة، من خلال نشر الأخبار في مختلف وسائل الإعلام عن إنتاج هؤلاء الشباب وابتكاراتهم الصناعية. ثانياً: بعد تحقق الشعور بالسعادة لصنع شيء ما، يبدأ الصانع في التفكير في المستهلكين الذين يستخدمون المنتجات الموجودة، وكيف يستطيع أن يحسّن في نمط معيشتهم من خلال تحسين تلك المنتجات. وهذا في حد ذاته يكون حافزاً قوياً لتطوير التقنيات والتكنولوجيات الجديدة والمتقدمة، وطرق تطبيقها في المجتمع أيضاً. بعبارة أخرى، المرحلة الأولى هي شعور الصانع بالسعادة لإنجازه وابتكاره، والمرحلة الثانية هي ''اقتناع مشترك'' بين الصانع والمستهلك. هذا يعني أيضاً أن استفادة الصانع ليست فقط هي العائد المالي الذي يحصل عليه من خلال بيع منتجات قام بصنعها، بل يحصل إلى جانب ذلك على فائدة معنوية وأدبية؛ فعلى سبيل المثال: يرى كثير من الصنّاع أن ابتسامة المستهلكين بعد استخدام منتجاتهم ورضاهم عن هذه المنتجات هو المكافأة الكبرى لهم، التي لا مثيل لها. وتحدّد تلك المكافأة الهدف الجديد للصنّاع، وتزيدهم رغبة في اجتهاد أكثر لتطوير التقنيات والتكنولوجيات. ثالثاً: من أجل تحقيق ذلك الهدف، يجب على الصنّاع تطوير سلوكهم وأسلوبهم في العمل. وقد أشار أحد المختصين اليابانيين إلى أنّ ''دان دوري''، وهو يعني باللغة اليابانية ''ترتيب المراحل''، ذو أهمية كبيرة. من أجل اكتمال عملية الصنع بشكل موفّق، وهو ضروري جداً للتخطيط المناسب الذي يفرّق بين المراحل المختلفة ويرتّبها بشكل صحيح. إلى جانب هذا: جودة التنظيم، فيحتاج ''دان دوري'' إلى التعاون المناسب بين الصنّاع. ويحتاج هذا التعاون إلى الجودة التي تعمل على تحقيقه مثل التفاهم والاتصال والاحترام. *الكاتب هو محلل ياباني في السياسة والاقتصاد العالمي في جامعة أوكسفورد في بريطانيا، وباحث زائر في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض.
إنشرها