بوتين «البوتكسي» وأوباما.. ولقمة الشعب السوري

|
«رأيت شخصاً يتضور جوعا.. ورأيت أشخاصاً يضحكون» بوب ديلان - شاعر ومغن أمريكي بإمكان الرئيس الروسي ''البوتكسي'' فلاديمير بوتين، أن يأخذ ''مجده'' على الساحة، ويمرح ويعربد. فالكبار غائبون. والأصح غير موجودين، خصوصاً عندما أثبت باراك أوباما (في أكثر من مناسبة) أنه مثل الموظف الذي لا يعمل، سعياً وراء نهاية خدمة مضمونة، ينقصه فقط، أن يحمل بطيخة معه إلى المنزل، بعد نهاية يوم عمل، لتكتمل الصورة. ليس مهماً دخوله ملفات التاريخ كأضعف رئيس للولايات المتحدة، بقرار منه! فـ ''سحره'' الذي استند إليه، انقلب عليه وعلى الكثير من الملفات الدولية، التي تحتاج إلى رئيس أمريكي، لا إلى رئيس جمعية أمريكية، وهذا ما يبرر الخلافات معه ليس من قبل الجمهوريين، بل من جانب بعض أركان إدارته نفسها. على بوتين الذي انتقل من ''سياسي مضبوط''، إلى قاطع طريق، أن يشكر ''نظيره'' الأمريكي يومياً، تماماً كما يشكر رؤساء العصابات، رجال الأمن المتعاونين معهم. والمصيبة، أن الإهانات الناجمة عن سياسة أوباما- إن وجدت سياسة أصلاً- لم تشمل بلاده، بل أخذت معها أولئك الذين كانوا يوماً محاور العالم أجمع. عطل بوتين (كالعادة) قراراً من مجلس الأمن، ليس لتسليح الثوار في سورية، ولا لإزالة سفاحها بشار الأسد، ولا لتشكيل حكومة سورية وطنية شرعية، ولا لفرض حظر جوي، بل لدخول مساعدات إنسانية إلى مدينة حمص، المحاصرة والمنكوبة والمدمرة، والمقصوفة على مدار الدقيقة. هذا التعطيل، جاء بعد ساعات قليلة من إعلان الأمم المتحدة، أن أربعة ملايين سوري (أي نحو خمس السكان)، لا يستطيعون إنتاج أو شراء ما يكفي من الغذاء لاحتياجاتهم. لماذا؟ لأن من تبقى من المزارعين السوريين، لا يجدون البذور والأسمدة، التي يحتاجون إليها لزراعة المحصول. مع الإشارة طبعاً، إلى أن نسبة متعاظمة من هؤلاء، خسروا أراضيهم باحتلال عصابات الأسد لها، بينما أحرقت العصابات الأراضي التي لم تستطع احتلالها. وحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للمنظمة الدولية، ومعها برنامج الغذاء العالمي، فإن سورية تحتاج إلى استيراد 1,5 مليون طن من القمح في موسم 2013-2014. عندما وصف رئيس فرنسا فرانسوا هولاند نظام الأسد بأنه ''حقير عليه أن يرحل''، لخص حال هذا النظام، على الرغم من أن هولاند، لم يوفر ما يُسرِع الرحيل، على غرار زملائه في الغرب والشرق. لقد فرض الأسد منذ اندلاع الثورة الشعبية على البلاد ''اقتصاد المقايضة''، وهو مرحلة طبيعية لـ ''اقتصاد الفقر وما دونه'' الذي ساد سورية على مدى أكثر من أربعة عقود. ولكن حتى ''المقايضة'' باتت ترفاً، لا يمكن للسوريين في المناطق المستهدفة من قواته وعصاباته، ممارستها. ماذا فعل هذا النظام القاتل أيضاً؟ منع كل الاحتياجات الخاصة بالإنتاج الزراعي، بما في ذلك الوقود والسماد والبذور والمبيدات عن هذه المناطق، فاستراتيجيته تتخلص بـ ''إما أن يقتل السكان، أو يموتوا جوعاً''. وقبل ذلك، كان هؤلاء يعيشون بالفعل أيامهم وفق ما يتيسر للمقايضة، دون أن ننسى، أن الفواجع المعيشية، تسود كل المناطق، ماعدا تلك التي ينتمي أغلبية سكانها ومزارعيها إلى طائفته، وهذا في الواقع يصب في مخطط التطهير الطائفي، والفرز الاجتماعي، وكان لا بد من الاستعانة بعصابات حزب الله الشيعي، لاستكمال هذا المخطط، الذي تعاقِب عليه الإنسانية كلها. التاريخ يسجل، أن بوتين يمنع الخبز وحليب الأطفال والدواء عن الشعب السوري، ولكنه يسجل أيضاً أن أوباما (ومعه توابعه في الغرب)، لم يمنع جريمة الرئيس الروسي الجديدة، واكتفى بالندب، وتحميل الأخير المسؤولية، حتى أنه لم يعمل بسرعة على تلبية طلب برنامج الغذاء العالمي، كنوع من التعويض عن المهانة التي كبل نفسه بها، فهذا البرنامج لن يورِد إلى سورية قاذفات صواريخ، ولا أسلحة بيولوجية، ولا حتى ''خرطوش''، يقدم العون الواجب (وليس المطلوب) لمناطق منكوبة، يعيش فيها بشر لا يعرفون الفارق بين سلاح وآخر. ''برنامج الغذاء''، طلب 41,7 مليون دولار، لتقديم العون إلى 768 ألف سوري تحت القصف والقتل. الفاجعة الجديدة، أنه لم يصل من هذا المبلغ سوى 3,3 مليون دولار فقط. يقول الأديب والشاعر الإنجليزي ديفيد هيربيرت لورانس ''الفاجعة، مثل الأسيد الخالص. يُذوِب كل شيء إلا الحقيقة''. مع ارتفاع وتيرة التطهير الذي يقوم به الأسد وعصاباته، وتلك المستوردة من لبنان وإيران والعراق، وكلها عصابات شيعية، انخفض (حسب الإحصاءات الدولية) إنتاج الدواجن والأغنام والماشية بمعدل 50 في المائة. إلى جانب (طبعاً) انخفاض إنتاج القمح إلى 2,4 مليون طن، وهو أقل بنسبة 40 في المائة، من متوسط المحصول السنوي الذي بلغ قبل حرب التطهير أربعة ملايين طن. كان لا بد من قرار دولي ما، لتلبية الاحتياجات المعيشية أو بعض منها. وكان بإمكان أوباما (الموظف الحالم بنهاية خدمة مضمونة) أن يتجاوز (ولو لمرة واحدة) سياسته الانبطاحية، في قضية لا يمكن الجدل حولها، حتى من جهة بوتين الذي يمرح على الساحة الدولية، ليس لغياب الكبار فقط، بل لأنه أكبر صغير موجود في الميدان.
إنشرها