الطلب العالمي على النفط يسترعي المراجعة

|
إن التقرير الشهري الأخير حزيران (يونيو) لوكالة الطاقة الدولية عن حالة أسواق النفط العالمية أثار بعض التساؤلات بخصوص الأرقام التي أوردها عن توقعات صناعة التكرير وبيانات الطلب العالمي على النفط. في هذا التقرير تحدثت الوكالة مرة أخرى عن التغييرات الحاصلة في خريطة النفط العالمية، وإذا ما نحينا جانبا الارتفاع الكبير في إنتاج النفط الأمريكي، التحول الأكثر وضوحا هو في مجال صناعة التكرير، حيث تتوقع الوكالة إضافة طاقات تكريرية جديدة على مدى السنوات الخمس المقبلة تصل إلى 9.5 مليون برميل في اليوم. على المدى القريب، من المتوقع حدوث نمو كبير في طاقات التكرير في الربع الثالث من هذا العام: حيث قد ترتفع بأكثر من 2.0 مليون برميل في اليوم. إذا ما تحقق ذلك، فإن نمو طاقات التكرير العالمية سيتفوق على كل من النمو المتوقع في الطلب على المنتجات النفطية في النصف الثاني من العام المقدر بنحو 1.7 مليون برميل في اليوم، والنمو المتوقع في إنتاج النفط الخام من خارج دول منظمة أوبك والمقدر بنحو مليون برميل في اليوم. هذه التوقعات قد تشكل نوعا ما معضلة لأسواق النفط العالمية، والتي حسب التقرير يمكن أن تحرك الأسواق في اتجاهات مختلفة. إذا استمر نمو الطلب على النفط ضعيفا، فإن مخزون المنتجات النفطية سيرتفع، أو ربما زيادة طاقات التكرير قد يقابلها انخفاض معدل تشغيل المصافيLower Utilisation Rates، ما قد يترك الكثير من طاقات المصافي معطلة. إذا لم يحدث ذلك، فإن إمدادات النفط الخام ستكافح لتلبية طلب طاقات التكرير المتزايدة حتى تتمكن الأسعار من إعادة التوازن إلى الأسواق. هذا السيناريو الأخير يبدو هو الأسوأ، حيث إن أسعار الوقود قد ترتفع في وقت لا تزال فيه الأسواق متعثرة من تباطؤ توقعات نمو الاقتصاد العالمي والطلب على النفط. في التقرير الأخير رفعت الوكالة توقعات نمو الطلب العالمي على النفط لهذا العام بصورة طفيفة إلى 785 ألف برميل في اليوم. أما بخصوص التوازن في أسواق النفط، فقد كررت الوكالة تحذيراتها المعتادة بخصوص الإمدادات النفطية. حيث أشارت إلى وجود الكثير من المخاطر على جانب العرض منها، الصيانة في حقول بحر الشمال التي ستؤثر في نحو 300 ألف برميل في اليوم بين حزيران (يونيو) وأيلول (سبتمبر)، المشكلات بين السودان وجنوب السودان التي قد تتسبب في انقطاع نحو 200 ألف برميل في اليوم من الإمدادات، أعاصير خليج المكسيك، واحتمال امتداد النزاع في سورية إلى الدول المجاورة. لكن علامة الاستفهام الكبيرة تدور حول أرقام الوكالة حول الطلب على النفط، والمعضلة تكمن هنا، حيث تشرح الوكالة كيفية نمو الطب بواقع 785 ألف برميل في اليوم في عام 2013 ليصل إلى 90.6 مليون برميل في اليوم. الاستنتاج الرئيس هو، إما ستقوم الوكالة بتنقيح أرقام الطلب العالمي على النفط للربع الأول والثاني من العام تصاعديا، أو أن نمو الاستهلاك العالمي من النفط في النصف الثاني من هذا العام سيفوق كثيرا معدل نمو الطلب في النصف الثاني من العامين الماضيين. أقل ما يقال هنا هو أن هذا التوقع بعيد نوعا ما، ذلك لأن إجمالي نمو الطلب العالمي في عامي 2011 و2012 كان أعلى بكثير ''1.6 و 0.9 مليون برميل في اليوم على التوالي'' من العام الحالي. لتسليط الضوء أكثر على هذا الموضوع دعونا نلقي نظرة على أرقام تقرير الوكالة: في الربع الأول كان معدل الطلب العالمي على النفط نحو 89.8 مليون برميل في اليوم، أي بمعدل نمو 1.0 مليون برميل في اليوم على أساس سنوي. في الربع الثاني حسب حسابات الوكالة الطلب كان 89.4 مليون برميل في اليوم، أي بانخفاض قدره 400 ألف برميل في اليوم عن الفصل الأول، و200 ألف برميل في اليوم أعلى من الفصل الثاني من عام 2012. على سبيل المقارنة، الطلب في الفصل الثاني من عام 2012 ارتفع بنحو 300 ألف برميل في اليوم عن الفصل الأول وبنحو 1.4 مليون برميل في اليوم عن الفصل الثاني من عام 2011. بعبارة أخرى، الطلب على النفط في هذا العام نما حتى الآن بمعدل أبطأ كثيرا من العام الماضي أو العام قبل الماضي. بالنظر إلى أن العالم يستهلك الآن (الربع الثاني) 200 ألف برميل في اليوم فقط أكثر من العام الماضي، السؤال متى سيأتي بقية نمو الطلب لهذا العام حسب توقعات الوكالة؟ الجواب وفقا للبيانات، هو من الجزء الثاني من العام. في هذا الجانب، تتوقع الوكالة أن يصل الطلب على النفط في الفصل الثالث من هذا العام إلى 91.1 مليون برميل في اليوم أي بمعدل نمو نحو 700 ألف برميل في اليوم عن الفصل الثاني و900 ألف برميل في اليوم أعلى من الربع الثالث لعام 2012. من المتوقع أن يضيف الربع الرابع ارتفاعا فصليا آخر يقدر بنحو 800 ألف برميل في اليوم. هذا سيجعل متوسط الطلب لعام 2013 يصل إلى 90.6 مليون برميل في اليوم ومتوسط النمو السنوي إلى 785 ألف برميل في اليوم. تكمن المشكلة هنا، أن الطلب على النفط في عام 2011 و2012 نما بسرعة أكبر في النصف الأول من كل منهما مما نما حتى الآن في هذا العام. مع ذلك تتوقع الوكالة الآن أن يرتفع الطلب بين الربع الثالث والرابع من هذا العام بشكل حاد أكثر من أي من الفترات المماثلة من عام 2011 أو 2012. للتذكير، بين الربع الثالث والرابع من عام 2011 و2012 نما الطلب بمعدل 2.2 و1.6 مليون برميل في اليوم على التوالي، في حين تعتقد الوكالة أن الطلب بين الربع الثالث والرابع من هذا العام سيرتفع بنحو 2.5 مليون برميل في اليوم. إذا ما وصل الطلب العالمي على النفط في الربع الرابع إلى 91.9 مليون برميل في اليوم حسب توقع الوكالة، فهذا يعني أنه على الرغم من المخاطر السلبية التي تواجه الاقتصاد العالمي وتباطؤ نمو الاقتصاديات الناشئة، سيتمكن العالم من زيادة معدل استهلاكه من النفط بصورة كبيرة جدا خلال ستة أشهر. لكن ما لم يتم تنقيح الأرقام في وقت لاحق من السنة، حيث تظهر ارتفاعا أكبر في الطلب في الربعين الأولين من عام 2013، فإن هذا السيناريو يبدو مستبعدا جدا.
إنشرها