آثار تراجع الين

|
تعتبر اليابان ثالث أكبر قوة اقتصادية عالمية بعد كل من الولايات المتحدة والصين. وتأتي في المركز الرابع عالمياً في حجم الصادرات وكذلك الواردات، وهي شريك تجاري مهم لمعظم دول العالم. وكانت اليابان تحقق فوائض كبيرة في حساباتها الجارية، لكن هذه الفوائض بدأت تتراجع في السنتين الأخيرتين. وتؤثر سياسات اليابان التجارية والاقتصادية بشكل ملموس في الاقتصاد العالمي، ولهذا فإن تراجع قيمة الين الياباني له آثار واسعة في اقتصادات كثير من دول العالم، خصوصاً الدول الآسيوية. وارتفعت قيمة الين خلال السنوات الخمس الماضية من نحو 110 ينات للدولار في نهاية 2008 إلى نحو 77 يناً للدولار في نهاية 2012. ولم يساعد هذا الارتفاع الاقتصاد الياباني الذي كان يعاني تدني معدلات النمو خلال 20 عاماً الماضية، بل زاد الطين بلةً، وتراجعت قدرة كثير من المصدرين اليابانيين على المنافسة في الأسواق الخارجية، ما ضغط على قدرتهم على التوسع وأسهم في خفض معدلات النمو الاقتصادي. وعلى الرغم من أن تأثيرات نفاذ تغيرات العملة منخفضة إلا أن ارتفاع قيمة الين زاد من مخاطر حدوث انكماش أسعار في اليابان. وانخفض سعر الين الياباني مقابل الدولار الأمريكي إلى سعر صرف زاد على 100 ين للدولار في الأشهر التسعة الأخيرة، لكن ما لبث أن تحسنت معدلات صرف الين بعض الشيء إلى مستويات تقل عن الحاجز النفسي 100 ين للدولار. وتتوقع الأسواق ومعظم المختصين أن يتراجع سعر الين إلى مستويات تراوح بين 100 و105 ينات للدولار في الفترة المقبلة. وعلى الرغم من نفي الحكومة اليابانية استهدافها تراجع الين، إلا أن التراجع جاء نتيجةً للسياسات المتبعة خلال الفترة الماضية التي اتصفت بكونها سياسات نقدية متساهلة. وقاد هذا التراجع إلى تخوف شركاء اليابان التجاريين الآسيويين من فقدانهم بعض ميزاتهم التنافسية وخسارة صادراتهم جزءا من حصصها في الأسواق العالمية. وتتنافس صادرات دول آسيا الأخرى مع الصادرات اليابانية، حيث تأتي صادرات السلع الكورية في مقدمة المتنافسين مع الصادرات اليابانية، ثم الصادرات التايوانية والصينية، وبعد ذلك تأتي باقي دول آسيا وأستراليا. وقد نتج عن تراجع الين الياباني تراجع قيمة الأصول اليابانية بالعملات الأجنبية، ما تسبب في خسائر للمستثمرين الأجانب في اليابان، كما نتج عنه تحقيق أرباح للاستثمارات اليابانية الخارجية. ودفع هذا التراجع المستثمرين في اليابان إلى زيادة استحواذهم على السندات الأجنبية للحصول على عوائد أعلى لاستثماراتهم. وحفز تراجع الين شركاء اليابان الآخرين في آسيا على تبني سياسات نقدية أكثر تساهلاً للحد من تراجع الين أمام عملاتهم، والحد من الآثار السلبية على صادراتهم الخارجية. ويؤثر تراجع الين في المملكة من خلال الاستثمارات والتجارة وأسعار النفط ومنتجاته. ولا تتوافر بيانات عن استثمارات المملكة في أسواق الأسهم والسندات وباقي الأصول اليابانية، لكن ليس من المتوقع أن يكون حجم هذه الاستثمارات كبيرا أو قريباً من أحجامها في الأسواق الأمريكية أو الأوروبية، لهذا فإن حجم الخسائر الرأسمالية لاستثمارات المملكة الناتجة عن تراجع الين سيكون محدوداً. وتتركز صادرات المملكة السلعية إلى اليابان بنسبة مقاربة من 99 في المائة في منتجات الطاقة من نفط وسوائل غاز، ثم يأتي بعدها بعض المنتجات الكيماوية. وسترتفع أسعار هذه الصادرات بالنسبة للمستهلك الياباني، ما يعني بعض التراجع في حجم هذه الصادرات، لكن انخفاض المرونة السعرية لهذه المنتجات لن يؤثر كثيراً في حجم استهلاكها في اليابان، كما لن يؤثر كثيراً في إجمالي الاستهلاك العالمي من هذه المنتجات، ما يعني غياب التأثيرات الملموسة لتراجع الين في أسعار النفط وسوائل الغاز في الأسواق العالمية. من جهةٍ أخرى سيعزز تراجع سعر الين مقابل الريال قدرة المنافسين اليابانيين في المنتجات الكيماوية، لكن بمقدار ضئيل بسبب اعتماد اليابان على استيراد المواد الأولية من الخارج. وستعزز الميزة التنافسية للمصدرين اليابانيين في أسواق المملكة، خصوصاً في السلع التي تنافس المنتجات الآسيوية الأخرى وبعض السلع الوطنية. واليابان شريك رئيس للمملكة في تجارتها الخارجية، وتستحوذ على حصة جيدة من إجمالي صادرات وواردات المملكة السلعية. وتتركز واردات المملكة من اليابان في المنتجات الصناعية، خصوصاً السيارات والآلات والأجهزة الكهربائية والإلكترونية. وتدخل هذه السلع في سلة المستهلك، لهذا فإن تغير معدلات الين الياباني يؤثر في تكاليف هذه السلع في المملكة، التي تؤثر في معدلات التضخم في المملكة. فهل ستتراجع أسعار السلع اليابانية في أسواق المملكة نتيجةً تراجع سعر الين مقابل الدولار؟ وأعتقد أن حدوث تراجع في أسعار السلع اليابانية سيكون محدوداً وسيتم في المقالة القادمة محاولة توضيح أسباب ذلك.
إنشرها