الله يغيّر علينا

|
يقول الله - تعالى - في محكم كتابه الكريم ''إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ''، فالتغيير لا يحدث من الخارج إطلاقا، حتى لو حدث فسيكون هشا ضعيفا أقل هزة تطيح به، التغيير الحقيقي ينبع من داخل الإنسان نفسه حين يرغب حقا في التغيير، وإعادة ترتيب أولوياته وتصحيح نظرته تجاه الأمور بشكل أفضل وأعمق. حين أطلق الدكتور صلاح الراشد مفهوم ''الله يغيّر علينا'' استغرب كثيرون حقيقة هذا المفهوم، لكن من يفكر فيه بعقله فسيجده مفهوما رائعا، في المثل الشعبي اعتاد الناس أن يقولوا ''الله لا يغيّر علينا''، ولو تأملنا هذا المثل تأملا عميقا لأدركنا أن الأمة التي تعتنق مثل هذه النظرة لن تتقدم أبدا، لأنها ببساطة أمة روتينية تقليدية جامدة، تريد أن تعيش بالرؤية والنظرة نفسيهما والنتائج المعتادة نفسها من دون الرغبة الجادة في التغيير الإيجابي الذي يجعلها تواكب العصر دون أن تفقد شيئا من مبادئها وأخلاقها وقيمها. ''الله يغيّر علينا'' يجب أن نقولها من القلب ونحن ندعو الله أن يغير من طريقة تعاملنا مع أجيالنا نحو الأفضل، وأن نقرن الدعاء بالرغبة الجادة والعمل الدؤوب لإحداث هذا التغيير الذي يجب أن يكون، فبعض الأبناء تكاد شخصياتهم تندثر بسبب الاتكالية الجوفاء وعدم الإحساس بنعم الله عليه، فهو لا يكاد يعرف حتى كيفية ترتيب فراشه ولا غسل صحنه، أو إصلاح عطل بسيط في المنزل أو صنع كوب من الشاي لنفسه، وكثير من الأمهات يشتكين من ''كركبة'' دخول الأبناء حين العودة من المدرسة، فبعضهم يرمي حذاءه تحت الدرج وآخر فوق السجاد وثالث كيفما اتفق، والحقيبة إما فوق ''الدرابزين'' أو على أقرب مقعد أو بجوار باب المنزل دون إحساس بالمسؤولية، ولذلك حين يكبر الابن سيصبح أنانيا يدور في فلك ذاته ومصالحه، وربما غير عابئ بمشاعر والديه، واشتكت لي إحداهن بأن ابنتها تأمر الخادمة بتحضير دروسها ليوم الغد وترتيب حقيبتها وحملها لها في الصباح إلى باب المدرسة، وقالت أخرى إن الخادمة تفعل كل شيء لابنتي حتى تقليم أظفار قدميها، لذا حين تكبر مثل هذه الابنة وتصبح زوجة فسينهار زواجها لأتفه سبب، لأنها لم تتعود على تحمل المسؤولية، والمضحك المبكي أن الأب والأم يبدآن في طرق أبواب الرقاة والمعالجين النفسيين، فربما ''عين صكت'' أبناءهما، مع أن الأمر أبسط بكثير من ذلك. إن قانون السببية يقوم على ربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها، لكل ما في العالم ولكل ما يحصل للإنسان في الدنيا والآخرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: ''فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات''، فمن الأسباب المادية قوله تعالى: ''وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ'' ، ومن الأسباب المعنوية : ''إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا''. لذلك ما نراه الآن من مرارة شكوى الأهل من (بعض) الأبناء واتكاليتهم وعدم إنتاجيتهم واحترامهم للقيم والوقت وغيرها، إنما هناك أسباب أدت إلى هذه النتائج، وربما قام بها الوالدان بشكل مباشر أو غير مباشر بقصد أو من دون قصد، لكنهما في الأخير حصدا هذه النتائج المخيبة للآمال، ومن أبرز هذه الأسباب عدم المتابعة المستمرة والثقة الزائدة على الحد، وكذلك إهداء الأجهزة الإلكترونية دون سن الرشد، والسهر والنوم خارج المنزل، والذهاب مع الأصدقاء دون التعرف عليهم بشكل كافٍ، وإهمال الجانب الروحاني وتنميته في وجدان الأبناء، إذن لنقلْ من اليوم فصاعدا ''الله يغيّر علينا'' للأفضل والأروع والأجمل ولنكن جادين في إحداث هذا التغيير الداخلي الذي سينعكس على كل من حولنا من أبناء وأهل وأصدقاء وزملاء عمل ومجتمع ووطن. طريق التغيير يحتاج إلى قوة وإرادة ورغبة جادة في التغيير من الداخل!

اخر مقالات الكاتب

إنشرها