«مان ديفان».. طُعم بصنارة المسؤولية الاجتماعية

|
لم يدر بخلدي أن تتكالب الجهات الرسمية والخاصة مع الظروف ضد أبناء الوطن، وهذا ما حذرت منه مرارا وتكرارا في أن تستغل المسؤولية الاجتماعية للشركات CSR كعربة نقل تُمرر بها مشاريع لا تخدم إلا مصالح محدودة. هذا بالفعل ما يمكن قراءته من مشاريع كمشروع منح رخصة تجارية عن طريق وسيط محلي أو ما يعرف بال Franchise لكن بالنكهة المحلية. هذه القضية بدأت بتلميع محلي يهدف إلى منح الشباب فرصة لامتلاك تجارة تعود عليهم بالنفع. لكن هذه الفكرة رغم التلميع الذي وجدته، ورغم التسهيلات التي قدمت لها لم يكتب لها النجاح، والسبب بكل بساطة هو عدم وجود نية توفير بيئة الاستدامة أو الشراكة طويلة الأجل لإنعاش هذه التجارة، بل على العكس كانت الأمور تسير بسرعة البرق لتوريط ستة آلاف شاب، وإغراق السوق ببضاعة غير محمية في ظل وجود بضاعة مشابهة لها بثلث السعر أو أقل. أوردت ''الاقتصادية'' في عددها 5873 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 تصريحا على لسان مدير الشركة يذكر فيه أن البرنامج يعد أحد برامج الشراكة المجتمعية التي تسعى إلى تفعيل الدور الاجتماعي لخدمة المجتمع. أي مسؤولية اجتماعية تلك التي يتحدثون عنها؟ كيف بدأت القصة وأين انتهت؟ من هم الشركاء فيها؟ كل ذلك عُرض على لسان كثير من الشباب الذين غُرر بهم في هذا المشروع في برنامج تلفزيوني الأسبوع الماضي، وهنا أقرأ جزءا من التاريخ حيال هذه القضية. ذكرت ''الاقتصادية'' في عددها 5483 تشرين الأول (أكتوبر) 2008 أن بنك التسليف والادخار وقع اتفاقية تعاون لتمويل ستة آلاف شاب سعودي للاستثمار بنظام الامتياز التجاري ''الفرنشايز'' بـ 1.5 مليار ريال مع إحدى الشركات الوطنية لخدمة المجتمع، بحيث يقدم البنك 600 مليون من قيمة الاتفاقية، وتتحمل الشركة 900 مليون ريال، كقيمة بضائع. وذكر الخبر أن البرنامج يقدم للشباب السعودي فرصا تجارية متكاملة ذات ربحية عالية ومضمونة عبر شركة أزياء عالمية، وبيّنت الشركة صاحبة المشروع أن حجم القرض والتمويل الواحد سيصل إلى مبلغ 100 ألف ريال تغطي جميع المصروفات التأسيسية من إيجار وديكور يدفعها بنك التسليف فيما يصل دعم الشركة إلى 150 ألف ريال على هيئة بضائع ومنتجات. وهنا أستغرب من وجود مثل هذه الاتفاقيات بين جهة رسمية هي بنك التسليف وبين الشركة الوطنية التي تهدف لخدمة مجتمعها وإيجاد فرص العمل الكريمة من خلال إنشاء مشاريع مملوكة للشباب. ومثار الاستغراب هنا في وجود مثل هذه الاتفاقيات دون وجود ضمانات تحمي الشباب أو تحمي المال العام الذي سيقدم لهم على شكل قروض، علما بأن الشركة تدعي أنها تمارس المسؤولية الاجتماعية، وهي فعليا تُصرف بضاعتها فقط. وفي عدد آخر لـ ''الاقتصادية'' 5736 حزيران (يونيو) 2009 يأتي خبر آخر يفيد بوقوع صندوق الموارد البشرية في فخ الشراكة المجتمعية مع الشركة، حيث يورد الخبر أن الشركة تسعى إلى ''توطين الوظائف ودعم سياسات الدولة بتوظيف السعوديين انسجاما مع توجه الشركة وجهودها الرامية إلى تنمية وتدريب الموارد البشرية الوطنية ودعم خطط توطين الوظائف وسياسات الدولة في هذا المجال والإسهام في خدمة المجتمع. وأن الصندوق سيقدم للشاب الممنوح امتياز الشركة دعما للتدريب براتب شهري قدره 1500 ريال لمدة شهرين عن مدة التدريب كما سيدعم الصندوق مالك المعرض براتب شهري قدره ثلاثة آلاف ريال لمدة سنتين كدعم غير مسترد. وهنا يأتي التساؤل الآخر عن اعتبارات هذه المنحة من صندوق الموارد البشرية ''هدف''، وكيف تم إقرارها. خصوصا أن الشاب يفترض أن يملك هذا المشروع الذي قدمت له تكاليف التأسيس دون فوائد والبضاعة كامتياز سيحقق منه الربح والدخل المرجو، فما الداعي لمنحه مرتبا شهريا مقداره ثلاثة آلاف ريال لمدة سنتين، خصوصا إذا كان المشروع كما تشير الشركة ذا ربحية عالية وفرص نجاح كبيرة. الغريب وخلال بحثي في موضوع هذه الشركة أن أجد خبرا نشرته ''الاقتصادية'' في عددها 5866 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 يشير إلى دخول ''باب رزق جميل'' كممول لمجموعة المعارض من خلال تقديم تمويل نقدي يصل إلى 300 ألف ريال سعودي، يتم تسديدها من دون أي فوائد أو عمولات. حيث سيقدم مبلغ 600 مليون كتمويل نقدي سيتكفل بنك التسليف والادخار بها عن طريق ''باب رزق جميل''، بهدف توظيف ستة آلاف شاب سعودي. الحقيقة أنني عجزت عن فك طلاسم هذه الاتفاقية، فكيف لمؤسسة إقراض حكومية أن تقدم خدمات مالية عن طريق مؤسسة اجتماعية أو كما تقول. في حين أن المصرف صرح مسبقا بتقديمه مبلغ المائة ألف ريال الخاص بتكاليف التأسيس، ثم نفاجأ بأنه 300 ألف ريال عن طريق مؤسسة وسيطة. وهذه ليست بآخر العجائب في هذه القضية، بل ستستمر العجائب وربما لن تنتهي. حيث نشرت ''الاقتصادية'' أيضا خبرا في عددها 5871 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 يفيد بانضمام ''شركة الأزياء العالمية ''مان ديفان'' إلى عضوية الشركة السعودية للمعلومات الائتمانية ''سمة''، وهذا الخبر أيضا لا يقل غرابة عن سابقه. هذا الموضوع كان متزامنا مع دراسة نشرت تدعو لمنح ''بقالة'' لكل عاطل، كتبت عنه في عدد ''الاقتصادية'' 6330 شباط (فبراير) 2011، ذكرتُ فيه أن منح التصريح لهذه البقالات مع وجود المقدرة لدى طيف كبير من المجتمع على إنشاء مثل هذه المشاريع، سيدخلنا في حالة تراكم وتكدس لبضاعة ومشاريع، ستتناقص وفقا لمبدأ القوة، وهنا الخسارة ستكون مؤلمة للشباب أولا ولمن أقدم على التصريح بهذه المشاريع، ولن يحقق فائدة منها إلا قليلون هم في غنى عن هذا الكسب. وعرجت في ذلك المقال على المشروع الذي أرهق ستة آلاف شاب عندما دخلت هذه الشركة مع مجموعة من الشباب في شراكات احتكارية دون أن تحقق لهم الحماية اللازمة، والنتيجة أن العديد من الشباب أعلن إفلاسه وتخلى عن هذه المشاريع، وأصبحت محالهم خاوية على عروشها. في حلقة الأسبوع الماضي من برنامج الزميل رياض الودعان عندما رأيت الشباب وقد تخلت عنهم الشركة ذات المسؤولية الاجتماعية، وتخلت عنهم الجهات ذات العلاقة من صندوق التسليف، وصندوق الموارد البشرية، وباب رزق جميل ووضعوهم في كماشة ''سمة'' التي لن ترحمهم. وهذا يجعلنا نقول أي مسؤولية اجتماعية تتحدثون عنها إذا كنتم لا توفرون لشباب الأعمال أي حماية من ظروف السوق ومن مطرقة رجال الأعمال التي تلاحقهم في كل مكان.
إنشرها