الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

تتضارب الأرقام حول استثمارات تدوير النفايات الصلبة والعضوية في العالم، لكن هذا التضارب لا ينفي أن قيمتها بالمليارات.

وبحسب تقديرات المكتب الدولي لإعادة التدوير، وهي منظمة عالمية تمتد عبر 70 دولة، فإن قيمة الأعمال الدولية لهذه الصناعة تبلغ 200 مليار دولار سنوياً، أي ما يوازي الناتج المحلي الإجمالي للبرتغال وكولومبيا وماليزيا مجتمعين، ويقدر المكتب عدد العاملين فيها بنحو 1.6 مليون عامل على مستوى العالم يقومون بالتعامل مع نحو 600 مليون طن من المواد التي يمكن أن يعاد تدويرها سنويا.

لكن قسم الأبحاث في بنك أوف أمريكا وفي دراسة نشرها أخيراً يقفز بقيمة هذه الصناعة إلى أرقام فلكية، إذ يقدرها حالياً بتريليون دولار أمريكي سنويا ويتوقع أن تبلغ تريليوني دولار بحلول 2020، ويقدر البنك حجم النفايات القابلة للتدوير والمنتجة يوميا بنحو 11.2 مليار طن.

ويفسر لـ ''الاقتصادية'' جيمس كامبل الباحث في بنك أوف أمريكا وأحد المشاركين في إعداد الدراسة هذا التباين الضخم بين تقديرات البنك وتقديرات المكتب الدولي بالقول: ''تقديراتنا تعتمد على البيانات الرسمية المتاحة في كل دول العالم وهذا يتضمن القطاعيين الحكومي والخاص بينما أرقام المكتب الدولي تعتمد على إحصائيات الشركات الأعضاء فقط وهي 850 شركة من القطاع الخاص و30 اتحادا، أما تعريفنا للمواد القابلة لإعادة التدوير فيتضمن العديد من المواد الصلبة التي لا يأخذها المكتب في الحسبان لأن إعادة تدويرها يتطلب تكنولوجيا حديثة لا تزال متاحة فقط للمؤسسات الحكومية وليس للقطاع الخاص لارتفاع تكلفتها''.

وبعيدا عن التقديرات المتباينة لقيمة صناعة إعادة تدوير النفايات، فإن الاتفاق العام هو أن الآفاق المستقبلية لهذه الصناعة واعدة بشكل كبير.

ونظراً لتزايد أعداد سكان الكرة الأرضية، والمرجح أن تراوح أعدادهم بين 9 إلى 9.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، فإنه من المؤكد أن كميات النفايات القابلة للتدوير ستزداد بشكل كبير للغاية، لكن أغلب العاملين في هذا المجال يربطون أكثر تزايد النفايات بتحسن مستوى معيشة السكان وخاصة الطبقة المتوسطة.

ويقول لـ ''الاقتصادية'' نابير أوهاجون نائب رئيس المكتب الدولي لإعادة التدوير: ''إن ارتفاع مستويات المعيشة وأساليب الحياة القائمة على الاستهلاك الكثيف يعني زيادة استهلاك سلع وخدمات أكثر كثافة لاستخدام الموارد، وبالتالي توليد المزيد من النفايات''، ويضيف على الرغم من اعتراضي على مصطلح نفايات لأنها لم تعد كذلك إنما أصبحت مواد محولة، إلا أن تقدير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يشير إلى أن زيادة الدخل الوطني بنسبة 1 في المائة فقط يؤدي إلى زيادة النفايات الصلبة والقابلة لإعادة التدوير على المستوى الوطني بنحو 0.69 في المائة، فإذا أخذنا في الحسبان التحسن الاقتصادي في مستويات المعيشة لدى العملاقين الآسيويين الهند والصين فلنا أن نتخيل التزايد في كمية النفايات القابلة لإعادة التدوير، فإذا أضفنا بلدان أخرى مثل البرازيل وإندونيسيا فإننا نواجه مشكلة حقيقية''.

لكن سيمون ليتش المدير التنفيذي لشركة ''النفايات العالمية''، يفضل أن ينظر إلى الجانب الممتلئ من الكوب ويقول لـ ''الاقتصادية''، ''بالطبع تراكم النفايات الصلبة القابلة للتدوير يمثل مشكلة بيئية وخسارة مالية في آن واحد، لكن ارتفاع مستوى الناتج المحلي الإجمالي يعني تزايد قدرة الدولة على تمويل مشاريع إعادة تدوير النفايات، والاعتماد على مستويات أعلى من التكنولوجيا للتعامل مع تلك المشكلة، كما أن ارتفاع مستوى الدخل يرتبط في كثير من الأحيان بزيادة الوعي لدى المواطن بأساليب الاستهلاك الحديثة ومن ثم خفض كميات الفائض من النفايات الصلبة''.

وتحظى إعادة تدوير النفايات بأهمية خاصة في البلدان الغربية المتقدمة حيث يمثل النفط المصدر الرئيس لتوليد الطاقة فيها، وفي ظل بحث تلك الدول بشكل دائم عن أي وسيلة ممكنة تخفض من اعتمادها على استهلاك واستيراد البترول، فإن إعادة تدوير النفايات مثل حلاً لا يجب الاستهانة به، فاستخدام المواد المعاد تدويرها لا يعني فقط الحفاظ على البيئة باستخدام كميات أقل من الموارد الطبيعية، بل يعني استهلاك كميات أقل من الطاقة في العملية الإنتاجية مقارنة باستخدام مواد خام لم تصنع من قبل.

وتشهد عملية توليد الطاقة من النفايات غير القابلة للتدوير اهتماما ملحوظا فطناً واحداً من القمامة قادر على توليد ما يراوح بين 500- 750 كيلو وات من الطاقة، وقد بلغت قيمة هذا السوق نحو 7.4 مليار دولار في عام 2013 ، ويمكن أن تنمو إلى 81 مليار دولار بحلول عام 2022.

ومع تزايد طلب البلدان الغربية وفي مقدمتها أوروبا على المواد الممكن إعادة تدويرها لاستهلاكها كميات أقل من الطاقة خلال عملية التصنيع، فإن عددا من المشكلات برزت إلى العلن، من بينها تزايد حالات سرقة ''المعادن القابلة لإعادة التصنيع''، حيث تقول الشرطة البريطانية إن الطلب المتنامي علي الخردة شجع اللصوص على سرقة قضبان السكك الحديدية وكابلات الكهرباء بل وتفكيك بعض الجسور الحديدية القديمة وبيعها للمصانع والشركات التي تقوم بإعادة تدويرها، وقد قدرة كمية المسروقات بنحو 300 طن في الأسبوع، أي ما يوازي 300 سيارة تقريبا وقدرت خسائر بريطانيا لـ ''الاقتصادية'' بـ 770 مليون جنيه استرليني سنويا، فيما يقدر إجمالي قيمة صناعة إعادة تدوير المعادن فقط في بريطانيا بنحو 5.6 مليار جنيه استرليني ويعمل فيها نحو ثمانية آلاف عامل.

وتتبنى أوروبا وأمريكا الشمالية الدفاع عن التدفق الحر والدائم للمواد المعاد تدويرها، وتراقب من كثب أي قيود أو تدابير حمائية توضع على هذا النشاط التجاري. أضف إلى ذلك تزايد الجهود المبذولة لإحداث تغيير في وعي المستهلك لإقناعه بجدوى وأهمية شراء واستهلاك المنتجات النهائية والمصنعة من مواد معاد تدويرها ''الأثاث، بعض المعدات الكهربائية'' باعتبارها أقل سعرا مع تمتعها بجودة المنتجات المصنعة من مواد خام لم تدور من قبل.

وقد بلغ سوق إعادة تدوير أو إعادة استخدام المواد الإلكترونية 13.9 مليار دولار عام 2012، وسيراوح بين25- 44.3 مليار دولار بين عامي 2017 - 2020 ، ما يعني أن إعادة تدوير مليون هاتف محمول سيوازي 24 كيلو جراما من الذهب أو 240 كيلوجراما من الفضة.

ألكسندر مايري الصحافي المعني بشؤون البيئة يعلق لـ ''الاقتصادية'' قائلاً ''معدل إعادة التدوير في النفايات الصناعية لا يتجاوز 7 في المائة على المستوى العالمي، وفي النفايات الأخرى 10 في المائة على أحسن تقدير، لهذا فإن هناك أزمة عالمية في عملية إعادة تدوير النفايات، فالمصانع والمعامل التي تقوم بهذه المهمة لا تمتلك القدرة على استيعاب إجمالي العرض العالمي، مما يفتح آفاقاً بلا حدود لمن يريد الاستثمار في هذه الصناعة''، ويضيف ''البلدان الثرية لديها مخططات بالمليارات لصناعة إعادة التدوير، فتدوير النفايات على مستوى العالم يقدر حاليا بنحو 400 مليار دولار، وخلال السنوات العشر المقبلة يقدر حجم الاستثمارات التي ستضخ في هذا المجال بـ 87 مليار دولار''.

ويضيف ''أمريكا بمفردها في حاجة إلى استثمار ترليون دولار خلال الـ 25 عاما المقبلة حتى تستطيع إعادة تدوير مياه الصرف الصحي فقط، والبرازيل تسعى لاستثمار 180 مليار دولار في مجال النفايات القابلة لإعادة التدوير''.

وفي ظل الحاجة لاستثمارات ضخمة في هذا المجال يشير تقرير بنك أوف أميركا إلى أهمية الدور الذي يجب أن يقوم به القطاع الخاص في هذا الصناعة بالقول ''من الصعب أن نتصور أن البلديات والحكومات المحلية سوف تكون قادرة على تلبية الاحتياجات اللازمة لتوفيرالخدمات والاستثمار في مجال البنية التحتية في صناعة إعادة تدوير النفايات الصلبة أو العضوية، ومن ثم يجب منح الشركات الخاصة دورا أكبر في مجال تدوير النفايات''.

وعلى الرغم من الاهتمام الحكومي الملحوظ في منطقة الخليج العربي بقضية معالجة وتدوير النفايات الصلبة والعضوية، إلا أن القضية تتطلب المزيد من الاهتمام والاستثمار الحكومي والخاص في هذا المجال، فبلدان مجلس التعاون الخليجي تنتج ما لا يقل عن 70 ألف طن من النفايات الصلبة العضوية يوميًا لا يعالج منها سوى 20 في المائة.

وتلقي دول المجلس في مياه الخليج العربي أكثر من خمسة آلاف متر مكعب من النفايات الصحية (المجاري) يوميا بما في ذلك من آثار سلبية وضارة على البيئة والإنسان. وعلى الرغم من غياب أرقام محددة حول الخسائر المالية نتيجة تلك الفرصة المهدرة من تحويل النفايات إلى مواد يمكن استخدامها لاحقا، فإن بعض المختصين يقدرون حجم الخسائر الخليجية بما يراوح بين 5-7 مليارات دولا سنويا وخاصة مع تزايد استهلاك المواطنين في بلدان مجلس التعاون للإلكترونيات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية