الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

صادف يوم أمس مرور شهر على انهيار رنا بلازا في بنجلادش، الذي كان يضم عدة مصانع للألبسة، حيث لقى أكثر من 1200 شخص حتفهم.

في البداية، كانت عناوين الأخبار في الغرب مليئة بالعزم والتصميم: "في أعقاب انهيار مصانع الألبسة الذي أدى إلى وفاة كثيرين، يطالب المتسوقون بتطبيق معايير أخلاقية"؛ "صحيح أننا نحب الأسعار الرخيصة، إلا أنه لم يعد بمقدورنا أن نتجنب أن نكون على قدر المسؤولية فيما يتعلق بمصانع السُّخرة"؛ "عليك أن تعلم من أين تأتي الملابس التي ترتديها وما هي تكلفتها الحقيقية".

شاهدتُ ما يكفي من التوقعات حول انتفاضات الأخلاق الاستهلاكية على نحو يجعلني أعلم أين ستنتهي هذه الانتفاضة. خلُصت مجلة "رتيل ويكلي" إلى أن "مأساة بنجلادش لن تؤثر في قرارات معظم المتسوقين بخصوص الأزياء"، واستشهدت باستطلاع للرأي أظهر أن 44 في المائة من البريطانيين لن يكونوا أكثر تدقيقاً في مكان صناعة ملابسهم بعد الكارثة. وقال 13 في المائة منهم إنهم على الأرجح سيدققون كثيراً قبل الشراء، لكن في حكم المؤكد أن هذا الرقم مبالغ فيه.

منذ فترة طويلة تشعرالأبحاث الأكاديمية بالحيرة بخصوص "الفجوة بين السلوك والنوايا"، أي التضارب الصارخ بين مقدار الاهتمام الذي يبديه المتسوقون حول السلع التي يشترونها ما ينتهي بهم الأمر إلى شرائه.

وحتى "فيرتريد"، التي هي أنجح حركة "استهلاكية أخلاقية"، وتضمن للزرَّاع حداً أدنى من الأسعار، تعتبر أقلية بخصوص توجهات المتسوقين. وفي 2011 أنفق المتسوقون في أنحاء العالم 4.9 مليار يورو على منتجات فيرتريد. وكانت هذه زيادة مقْنِعة بنسبة 12 في المائة، لكن في السنة الماضية بلغت مبيعات كارفور، شركة السوبر ماركت الفرنسية، 86.6 مليار يورو.

وهناك حكاية ممتعة وراء الارتفاع في مبيعات فيرتريد، إذ لم يكن معظمهم مدفوعا بالمتسوقين المهتمين بنوعية مشترياتهم، وإنما نتيجة لشركات التصنيع وشركات التجزئة التي اختارت التعاقد على مجموعات كاملة من المنتجات من الزرّاع المشتركين في شبكة فيرتريد.

"مارس"، شركة المواد الغذائية والسكاكر الأمريكية، تستخدم كاكاو فيرتريد فقط في شوكولاتة مالتيزرز في بريطانيا وإيرلندا. وشركة كادبوري البريطانية التي استحوذت عليها شركة كرافت الأمريكية منذ فترة، فعلت الشيء نفسه في شوكولاتة ديري ميلك. وشركة جيه سينزبري، التي تمتلك سلسلة من محال السوبر ماركت في بريطانيا، لا تبيع إلا الموز المنتج من مزارع فيرتريد.

وتتعامل الشركات مع فيرتريد جزئياً؛ لأنها تريد أن تظهر بمظهر الإحساس بالمسؤولية، لكن لديها كذلك أسباب واقعية.

وتفسير "مارس" لتبنيها منتجات فيرتريد لا يخرج عن المألوف. فهي تشعر بالقلق حول قدرة الزرّاع على إنتاج الكاكاو الذي تحتاج إليه. وكثير منهم لديه أشجار كبيرة السن وتعطي محصولاً ضعيفاً. وما لم تتحسن إنتاجية الزرّاع، تقول "مارس" إن الطلب على الكاكاو يمكن أن يفوق العرض بمقدار مليون طن بحلول عام 2020.

هنا يأتي دور فيرتريد في المساعدة. فهي لا تعطي فقط ضمانة عدم هبوط السعر عن حد معين. ويجب على الزرّاع المشتركين معها الانتماء إلى منظمات للمنتجين. ولا بد للسعر الإضافي الذي يأتي إليهم أن يذهب إلى مشاريع محلية في الصحة والنظافة والتعليم. والشركات التي تختار الاشتراك مع فيرتريد تعتقد أن زرّاعها أكثر كفاءة.

وتضع فيرتريد ملصقاتها على منتجات متنوعة من اللبن الزبادي إلى الذهب. فهل تستطيع أن تفعل الشيء نفسه للملابس؟ هل سنستطيع أن نرى شركات التصنيع والتجزئة تتبنى فيرتريد في ملابسها للسبب نفسه كما فعلت مارس في الشوكولاته – أي لأن العاملين يمكن أن يكونوا أكثر أمناً ويحصلون على طعام أفضل وأن يكونوا أكثر إنتاجية، وفي الوقت نفسه نجعل المستهلكين الذين يقولون إنهم يهتمون بالجوانب الأخلاقية يشعرون بالرضا بخصوص ملابسهم؟

الجواب على الأرجح هو "لا". فقد قالت لي متحدثة باسم المنظمة إنها لا تزال تعاني في الترويج للقطن باعتباره من منتجات فيرتريد. وستكون مراقبة كامل سلسلة التوريد للملابس من أولها إلى آخرها "عملية معقدة تماماً". ثم هل المستهلكون على استعداد لدفع مبلغ أعلى مقابل ذلك؟

هذا سؤال في غاية الأهمية. إذا كان لا بد من ضمان حد أدنى للسعر يعطى لشركات الإنتاج، فإما أن يدفع المتسوق مبلغاً أعلى، أو أن تضطر الشركات صاحبة العلاقة إلى القبول بهوامش أدنى.

وبمقدور بعض الشركات تحمُّل ذلك. هذا الأسبوع، في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز"، قال كارل يوهان بيرسون، الرئيس التنفيذي لشركة هينز أند ماورتز، إن شركته لم تكن تتعامل مع موردين من رنا بلازا، لكن في مرافق أخرى "نجد علامات تجارية متوسطة إلى فاخرة في المصنع نفسه، لكنهم يتقاضون أسعاراً أعلى بعشر مرات و20 و100 مرة".

وإذا لم يكن الضغط الداعي إلى التغيير آتياً من المستهلكين أو من فيرتريد، فمن أين سيأتي؟

وفي الوقت الحاضر تُوقع الشركات الأوروبية على اتفاقية للسلامة في بنجلادش، لكن معظم الشركات الأمريكية تقاوم ذلك، قائلة إنها لا تحب الآليات المقترحة لتسوية النزاعات.

وأصحاب الحملات الأخلاقية بحاجة إلى إبقاء التركيز على ظروف العمل في معامل الأقمشة. وكذلك نحن، أهل الإعلام، المعروفون بالتركيز قصير الأجل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية