ما زالت الأخبار السيئة تتوالى على وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن، الذي يعد رأس الحربة والعقل المدبر وراء برنامج التقشف الاقتصادي.
ويكافح أوزبورن بقوة من أجل بث الطمأنينة في نفوس المستهلكين ورجال الأعمال، ليؤكد لهم أنه يوجد نور في نهاية النفق الاقتصادي الذي تقبع فيه بلاده حاليا.
آخر تلك الأخبار السيئة كان تقريراً لمجموعة التنبؤ الاقتصادي، قدر حجم الخسائر التي منيت بها المملكة المتحدة خلال الأعوام الثلاثة الماضية جراء ارتفاع معدلات التضخم بنحو عشرة مليارات استرليني (قرابة 60 مليار ريال سعودي)، فمعدل التضخم الراهن بلغ نحو 3.5 في المائة بينما تستهدف الحكومة 2 في المائة فقط.
لكن المزعج للدوائر الاقتصادية الحكومية لا يقف فقط عند حدود ارتفاع معدلات التضخم، بل الأكثر إزعاجاً أن الجميع أصبح يدرك الآن أن التضخم في بريطانيا سيبقى لفترة طويلة مقبلة وسيصبح "لاعبا أساسيا دائما" كما يقول لـ "الاقتصادية" ديفيد أنريك الباحث في الجمعية الملكية للاقتصاد السياسي "مهما تحسن الوضع الاقتصادي فإن معدل التضخم سيظل أعلى من المعدل الذي تستهدفه الحكومة، ولا أتوقع أن ينخفض التضخم إلى أقل من 2.5 في المائة قبل عام 2017".
وفقاً للتقرير فإن ارتفاع معدل التضخم انعكس سلبيا على معدل إنفاق الأسرة البريطانية، الذي تقلص بشكل ملحوظ خاصة مع الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية، حيث بلغت نسبة الزيادة في أسعار الغذاء نحو 40 في المائة منذ عام 2007 فضلا عن ارتفاع تكاليف الوقود والتعليم.
تزايد معدل التضخم والخسائر الناجمة عن ذلك مثل ذخيرة قوية للهجوم الذي يشنه حزب العمال المعارض على الائتلاف الحكومي الحاكم.
سوزان آدم مسؤولة الحزب في منطقة ميد لاند ورئيسة قسم التمويل في مجموعة نوتنجهام هيل تقول لـ "الاقتصادية": بوصفي مختصة مالية من المعارضة، أعتقد أن ارتفاع معدل التضخم وكذلك ارتفاع معدل البطالة، كلها مؤشرات واضحة أنه لا يمكننا المضي قدما في سياسة التقشف الراهنة دون إصابة الاقتصاد والمجتمع البريطاني بخسائر جسيمة"، وتضيف: "عليك أن تقارن بين النهج الاقتصادي الذي تبنته واشنطن وهو التحفيز عبر النمو، ويقوم أساسا بضخ الدولة مزيدا من الأموال في الاقتصاد، وكيف أفلح في تحسين الوضع هناك، فالمؤشرات الاقتصادية القادمة من أمريكا توجد قناعة متزايدة أن الولايات المتحدة اقتربت من الخروج من الركود الاقتصادي، بينما سياسة أوزبورن التقشفية تقودونا إلى مزيد من الركود، بل تزيد الطين بلة بمزج التضخم مع معدلات بطالة مرتفعة".
لكن وجهة النظر تلك تلقى رفضا من الدكتور كريستوفر أدامز أستاذ مادة التحليل الاقتصادي في جامعة ويلز الذي يشيد بالسياسات التقشفية لأوزبورن ويعتبرها المخرج الوحيد للاقتصاد البريطاني، ويقول لـ "الاقتصادية": الوضع كان مرشحا لأن يكون أسوأ من ذلك، إذا تبنينا سيناريوهات بديلة، فبنك إنجلترا قبل بارتفاع معدلات التضخم تفاديا لتبني سياسات مالية مشددة، كانت من الممكن أن تؤدي إلى ارتفاع سعر الفائدة إلى نحو 3.5 في المائة عام 2011 ما سيمثل كارثة اقتصادية، وسيضيف 625 ألف عامل إلى سوق البطالة. ويؤكد "الضغوط التضخمية التي يشهدها اقتصادنا تعود في الأساس إلى ارتفاع أسعار الواردات جراء ارتفاع الأجور في الأسواق الناشئة، وكذلك مطالبة الطبقة العاملة البريطانية بزيادة الأجور"، وكان بنك إنجلترا قد أعلن أن هناك بعض المؤشرات على أن الاقتصاد الوطني قد بدأ يستعيد بعض العافية، وهو الأمر الذي يراقبه الجميع الآن عن كثب، في انتظار أن يعلن البنك يوم الخميس المقبل أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بلغ 0.3 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الراهن، وهو ما سيكون مؤشرا على أن سياسات أوزبورن بدأت تؤتي ثمارها رغم المصاعب التي يواجهها.
