تأكيد الأنباء القائلة إن تركيا تعتزم شراء النفط والغاز من المنطقة الكردية ذات الحكم الذاتي شمالي العراق، أدى إلى تحذيرات - كان أقواها من الولايات المتحدة - من أن أنقرة تقامر بتفكيك العراق. وهذا صحيح، لكن هناك ما هو على المحك أكثر من ذلك. فإذا ألقيتَ حجراً في أية بركة في هذه المنطقة المحمومة ستنتشر الموجات الصغيرة لتصل جميع الشواطئ.
وفي العراق لم تتوصل حكومة إقليم كردستان والسلطات الحكومية في بغداد بأي شكل من الأشكال، إلى اتفاق ينظم اقتسام الاحتياطيات المحتملة الهائلة من النفط، ناهيك عن التوصل إلى أنموذج ناجح لاقتسام السلطة الفيدرالية؛ لأن حكومة نوري المالكي، وهو شيعي يسير في خط إيران، تفضل دائماً الطائفة والفرقة على الأمة.
لكن مستقبل العراق لا يشكل الآن إلا جزءاً من نقاش حول التفكك المحتمل لأجزاء من الشرق الأوسط، بالنظر إلى الوضع الملح الجديد الذي يفرضه تفكك سورية في ضوء حرب أهلية مهلكة.
وأدى هذا الصراع إلى انفلات المنطقة الكردية في شمال شرقي سورية، وحفز الأتراك إلى التصالح مع أكراد تركيا والجمع بين الأكراد العراقيين والسوريين في دائرة تركية نشطة اقتصادياً.
وكون الجدال لا يزال في بدايته يشير إلى طابعه الإشكالي الكبير وإلى مدى ضخامة العواقب المحتملة. فالذي على المحك الآن هو نظام الدول التي أعقبت الإمبراطورية العثمانية قبل قرن تقريباً في سورية وبلاد ما بين النهرين.
وإحدى المشكلات في هذا الجدال هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها العد الزمني. هل يجدر بنا أن نبدأ بمؤامرات بريطانيا وفرنسا، التي اقتطعت أجزاء من العالم العربي كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية وأعادت تجميعها وفقاً لمخططاتهما وطموحاتهما الاستعمارية، التي كان أشهرها سوءاً اتفاقية سايكس - بيكو عام 1916؟ أم نبدأ بالحرب الأنجلو - أمريكية على العراق التي مزقت بنيان بلد هش؟
إن النظام الفرنسي - البريطاني لما بعد الإمبراطورية العثمانية يتحمل نصيباً من المسؤولية التاريخية. ففي أخطر مواطن التوتر الآن، ركَّبت بريطانيا وفرنسا الأكراد والشيعة تحت أقلية سنية في العراق، ودعمتا تدويراً للأقليات في سورية، وفصلتا لبنان تحت حكم المسيحيين الموارنة بعد انتزاعه من الغالبية السنية في سورية.
إن اجتياح واحتلال العراق، وتمكين أغلبية شيعية نادرة في قلب العالم العربي، قلب توازن القوة الإقليمي بين السنة والشيعة، الذي استمر نحو ألف سنة. وفي الوقت الحاضر فإن التنافس السني الشيعي الذي تطور الآن إلى صدام عنيف في سورية، ضمن انتفاضات ما يعرف بالربيع العربي، يشكل أقوى محرك لما يحدث الآن.
وفي سورية تتسارع عملية التفتيت بفعل ضعف الجانبين. فالثوار السنة المنقسمون لديهم رعاة مختلفون لديهم أجندات مختلفة، في حين أن الدعم المحدود من الغرب صار يعني أن المتطرفين الإسلاميين أصبحوا أقوياء على نحو لا يتناسب مع عددهم. إن نظام الأسد المنهار، الذي قام على أكتاف أقلية علوية شيعية مارقة، يعتمد أكثر فأكثر على المليشيات. بالتالي، إلى جانب كردستان الموسعة التي تسعى تركيا إلى تبنيها، هناك على الأقل كيانان آخذان في الظهور بحكم الأمر الواقع. الأول هو ''منطقة الجزيرة'' بين نهري الفرات ودجلة، التي تربط بين سنة غربي العراق الساخطين وأبناء طائفتهم ذوي التركيبة القبلية غالباً شرقي سورية. ورعاية بشار الأسد لخط جهادي وإرسال المقاتلين إلى العراق قبل عشر سنوات انفجرت في وجهه الآن، لأن الشبكات نفسها وجدت طريق العودة إلى سورية.
الكيان الثاني هو القسم العلوي في شمال شرقي سورية. فإذا أفلح حزب الله، الشيعي المدعوم من إيران، بفتح ممر لعائلة الأسد بين حمص والحدود اللبنانية، فمن الممكن أن ينتهي المطاف بهذه المنطقة المغلقة إلى الارتباط بمعاقل الشيعة في منطقة وادي البقاع في لبنان. وهكذا، اسحب خيطاً هنا وسيتفكك هناك.
ومن الصعب معرفة ما هي الاستجابة الصحيحة، لكنها على الأرجح ليست في وعظ الأتراك الذين تقوم سياستهم الخارجية على اعتقاد ''متأثر بأوروبا'' يكمن في ''حدود ناعمة'' عبر أراضي الإمبراطورية العثمانية السابقة.

