خلال معظم تاريخها البالغ 175 عاماً، كانت ''بروكتر آند جامبل'' تعتبر المعيار الذهبي للمنتجات الاستهلاكية، أي شركة ذات أداء متفوق تقوم بصورة موثوقة باختراع منتجات جديدة، وتسوقها بأسلوب جذاب، وتحصد الأرباح التي تأتي بعد ذلك بصورة طبيعية.
وهكذا راح بوب ماكدونالد، الرئيس التنفيذي، يعدد هذا الأسبوع أحدث المنتجات من العلامات التجارية للشركة، بدءا من مسحوق غسل الأطباق ''كاسكيد بلاتينوم'' إلى مستحضر التجميل ''كلامب كرشر لاش بلاست'' لصبغ الأهداب والحواجب من العلامة التجارية ''كَفَر جيرل''.
وتوقف عند المنتج رقم 24. وقال للصحافي الذي سأل عن المنتجات: ''اعذرني على هذه القائمة الطويلة للغاية، لكنك أنت الذي سألت''.
في الماضي كانت قائمة بهذا الطول تعزز الثقة، أما اليوم فهي تستثير أسئلة حول ما إذا كانت جميعاً جديرة بذلك.
وتحت إدارة بوب ماكدونالد فقدت بروكتر آند جامبل بريقها وضلت طريقها. والتشخيصات التي طرحت لمشاكلها من الموظفين السابقين والمحللين وشركات التسويق لا تعد ولا تحصى، إضافة إلى أنها متضاربة. لكن هناك موضوع واحد يعاود الظهور، وهو أن العالم يتغير بسرعة وبروكتر آند جامبل تعاني في سبيل اللحاق به.
وسواء كان ذلك هو التوسع في الطبقة الوسطى في بلدان الأسواق الناشئة، أو كان الأمريكيون والأوروبيون الذين يدققون في كل مليم من مصاريفهم في أعقاب الأزمة، أو الطابع الرقمي الذي أخذ يسيطر على الحياة الشخصية، فإن هذه الشركة المهيبة كانت بطيئة للغاية في الاستجابة للتغيرات.
ومنذ أن تولى ماكدونالد إدارة الشركة في تموز (يوليو) 2009، وهو نقيب سابق متزمت في الجيش الأمريكي، أخذ يتلقى الانتقادات – بما في ذلك انتقادات من بيل أكمان، وهو ناشط في صناديق التحوط، اشترى 1 في المائة من الشركة في السنة الماضية. لم يقبل ماكدونالد بالتهمة المألوفة التي مفادها أن ثقافة الشركة تتسم بضيق الأفق إلى حد كبير، لكنه أقر بأن قاعدة التكاليف في الشركة كانت منتفخة، وعملياتها تتسم بإفراط في البيروقراطية.
وفي السنة الماضية، شرع في خطة للتنظيم والتبسيط، وهو ما أدى إلى ارتفاع قوي في سعر السهم بدأ في منتصف 2012. هذا الارتفاع أنهى فترة من جمود سوق الأسهم دامت سنتين ونصف، لكن بدا أخيرا أن الانتعاش توقف.
وحققت ''بروكتر آند جامبل'' مجموعة أخرى من النتائج دون العادية وظهرت نقطة خلاف جديدة. فقد امتدت يد الشركة إلى الأموال التي ادخرتها وصرفتها على الابتكار والتسويق، لكن ذلك لم يحقق ارتفاعا كبيرا في المبيعات كما كان يفعل في الماضي.
وأثناء استماعه إلى تعليقات ماكدونالد في ذلك اليوم، قال خافيير إيسكالانته، وهو محلل لدى مؤسسة كونسيومر إيدج للأبحاث: ''معنى ما أسمعه الآن هو أن الشركة تفعل الشيء نفسه؛ تنفق أكثر، وتقوم بالابتكار نفسه، وتلقي اللوم في النتائج الضعيفة على الشركات المنافسة (...) لكن ألا يجدر بكم أن تفكروا في القيام بالأمور بطريقة مختلفة؟''.
ومنذ أن تولى ماكدونالد منصبه على رأس هذه الشركة المشهورة بانضباطها، الموجودة في سينسيناتي في ولاية أوهايو، فقدت مكانتها وأهميتها وقلَّ شأنها، مع أن منتجاتها معروفة للقاصي والداني، مثل معجون الأسنان كرست والفوط الصحية تامباكس ومسحوق الغسيل آرييل وكريم الجلد أولاي Olay.
ومبيعات الشركة البالغة 84 مليار دولار في السنة الماضية تجعلها الشركة العملاقة في القطاع. وميزانيتها الإعلانية البالغة تسعة مليارات دولار، وهي أكبر ميزانية إعلانية في العالم، تعني أن مالكي شركات الإعلام يقفزون لتنفيذ أوامرها. ورسملتها السوقية، البالغة 210 مليارات دولار، تجعلها جزءاً دائماً من محافظ مديري الصناديق الاستثمارية. وتوجد في الشركة كذلك أكاديمية مشهورة للإدارة، يشتمل خريجوها على جيف إيميلت، الرئيس التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك، وستيف بالمر، الرئيس التنفيذي في ''مايكروسوفت''. هذا النفوذ يفسر السبب في أن كثيراً من الناس يهتمون بحظوظها.
وإذا نظرنا من خلال معظم المقاييس الموضوعية نجد أن الشركة أبعد ما تكون عن المرور في أزمة. ذلك أن منتجاتها من المواد الأساسية التي لا تخلو منها تقريباً خزانة أي حمام في العالم أو خزائن أي مطبخ، كما أن مبيعاتها وأرباحها سجلت نمواً في الأشهر الثلاثة المنتهية في 31 آذار (مارس).
لكن سوق الأسهم تعتبر قاضياً مزاجياً. فهي تريد من الشركات أن تُظهِر أنها تكسب الزخم وتتفوق في الأداء على الشركات النظيرة. وتشير نتائج هذا الأسبوع إلى أن أجزاء كثيرة للغاية من ''بروكتر آند جامبل'' لا تفعل هذا ولا ذاك. فالاقتصاد العالمي، الذي يصفه ماكدونالد بأنه ''بحر مائج''، يجعل الحياة شاقة على الجميع. لكن محللين يقولون إن الشركة تخسر السوق أمام شركتين منافستين، هما كولجيت بالموليف، التي تصنع معاجين الأسنان والصابون، ويونيليفر، التي تصنع شامبو دوف ومزيل الرائحة شور. ويقول مارك أستراكان، وهو محلل لدى ستيفل نيكولاوس: ''إن الشركة تنفق أكثر وتنمو أقل''.
وتحصل ''بروكتر آند جامبل'' على حصة أدنى من المبيعات من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، لكن جون مويلر، كبير الإداريين الماليين، قال إنها حققت ''تقدماً جيداً'' في تحويل الميزان. وبنهاية 2013 ستشكل بلدان الأسواق الناشئة 40 في المائة من المبيعات. ومع ذلك يقول محللو بنك مورجان ستانلي إن تحقيق نسبة نمو مقدارها 7 في المائة في مبيعات الأسواق الناشئة على مدى ثلاثة أرباع متتالية، يشير إلى أنه ليس هناك زخم.
وفي الوقت الحاضر يتولى إدارة ''يونيليفر''، التي عانت بصورة مماثلة خلال الفترة من 2004 إلى 2009، بول بولمان الذي كان في السابق مديراً في ''بروكتر آند جامبل''. ويعتبر بولمان من المفضلين لدى المساهمين. وهناك خريج آخر من ''بروكتر آند جامبل'' هو فابريزيو فريدا، الرئيس التنفيذي لشركة إسته لاودر، يأخذ الأعمال من ''بروكتر آند جامبل'' في مجال مستحضرات التجميل، وكذلك تفعل لوريال.
وبحسب أستراكان، في عالم مستحضرات التجميل ''وهي فئة تنمو بصورة مريحة، تنزف بروكتر آند جامبل حصتها السوقية''. ويقر مويلر بأن هذا يعتبر ''مثالاً جيدا على المجال الذي يتعين بذل مزيد من الجهد فيه''، بخصوص إنتاج منتجات متوسطة السعر والتواصل بشكل أفضل.
ويقول دين كراتشفيلد، وهو مستشار في العلامات التجارية، إن تسويق ''بروكتر آند جامبل'' تقليدي فوق الحد ونادراً ما يحقق ''التعاطف'' الذي يحققه إعلان حديث من صابون دوف من ''يونيليفر''، الذي ترسم فيه الفنانة مخططات للنساء استناداً إلى أوصافهن لأنفسهن.
وقد صفق كراتشفيلد لإعلان السوبر بول هذا العام من ''بروكتر آند جامبل'' حول منظف الغسيل تايد، الذي تقول عنه الشركة إنه ظفر بنصف مشاهديها على التلفزيون ونصفهم على الشبكات الاجتماعية. لكنه يقول إن النجاحات الرقمية هي الاستثناء وليست القاعدة. ''العلامات التجارية من بروكتر آند جامبل لا تقدم في الواقع حكاية جديدة. إنها لا تزال بعقلية المدرسة القديمة''.
وتحب ''بروكتر آند جامبل'' أن تقول إن ابتكار المنتجات هو روحها وحياتها، لكن حديثها يمكن أن يسبق الواقع حين يتعلق الأمر بالابتكارات ''التي تحدث الاضطراب''، أي التي تغير الطريقة التي ينظف بها الناس مساكنهم أو الاعتناء بأنفسهم. مثلا، منتج تايد بود (على شكل كبسولات) والدواء الذي يساعد على النوم ZzzQuil كانا من المنتجات الناجحة. لكن يقول المحللون إن عدداً كبيراً يفوق الحد من الابتكارات الأخرى هي مجرد تغييرات طفيفة تدريجية في الابتكار. ويطلق كراتشفيلد على هذه المنتجات تعبير ''ابتكارات التجديد وإصلاح القديم''.
وتصر ''بروكتر آند جامبل'' على أن جميع المنتجات الجديدة يتم اختبارها عن طريق المستهلكين. لكن هناك مجال للمجادلة بخصوص عنصر الانبهار من بطاريات دورالوك من ''دوراسيل'' التي تظل تعمل لغاية عشر سنوات في التخزين. ويرى مويلر أن ''بروكتر آند جامبل'' مدركة وواعية للعوائد على الاستثمار، وتطالب بالصبر. ويقول: ''الفكرة هي أننا ننفذ ضد الخطة، ونحن إما على المسار وإما سابقون للخطة. هل نحن متفائلون؟ نعم. هم نحن راضون؟ ليس بعد''. ويضيف أن فترة الربع أو الربعين تعتبر قصيرة دون الحد من أجل تقييم العوائد. والأفق الزمني المفضل لدى ''بروكتر آند جامبل'' هو ثلاث إلى خمس سنوات. وربما يكون هذا الأفق أطول من الفترة الزمنية التي يرغب المساهمون في إعطائها إلى ماكدونالد.

