تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الجمعة 1434/2/29 هـ. الموافق 11 يناير 2013 العدد 7032
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 620 يوم . عودة لعدد اليوم

«أمرنا مترفيها»

علي الجحلي

كان الحديث عن فكرة ''المزاين'' وأثرها في المجتمع يشغل المجالس، الغريب أن الكثير كانوا معجبين بتلك المنافسات ويتابعونها ويعتبرونها من وسائل حماية ونشر الثقافة الوطنية. انتشرت حمى ''المزاينات'' في مختلف المناطق، بل المدن والمحافظات، كالنار في الهشيم، وكادت تكون الشغل الشاغل للجهات التنظيمية والأمنية. حاول المنظمون في البداية أن يضفوا على المنافسات صبغة القبيلة والفخر بها والشعور بالانتماء لفكر وتراث الآباء والأجداد. إلا أنه بحكم أن المجتمع إنساني بطبيعته وأن الفخر يتحول مع الوقت إلى تفاخر، والانتماء يتحول إلى عنصرية، والعقلانية تتحول إلى عصبية، تحول الإعجاب إلى نقد من جهات عديدة.

كانت القبيلة في مرحلة معينة أكبر مكونات المجتمع، وهذا ما ربط الناس بها. لكن خطورة العودة للوراء كانت واضحة من اليوم الأول للعقلاء الذين رفضوا التوجه نحو الماضي وإهمال الحاضر والمستقبل. للحق أقول إن أكثر المتأثرين بتلك المفاهيم كانوا من المراهقين ومتوسطي السن الذين يميلون إلى العاطفة ويبحثون عن عنصر معين ينتمون إليه، ويتحدَّون به أقرانهم. هذه العقدة – مع الأسف - عادت للظهور بين المراهقين وما زالت مستمرة حتى اليوم، ولمن يشك في كلامي أن ينظر إلى بعض التغريدات والتعليقات بل جدران الأحياء التي تحمل (الغرافيتي) القبلي الذي صنعه البعض، ووقع فيه آخرون.

جاءت المرحلة التالية عندما أراد عقلاء القبائل أن يحدوا من الفكر العصبي والشد والجذب القبلي، فقاموا بترتيب مواقعهم ونظموا فيها المخيمات والحفلات والمحاضرات والمسابقات الدينية التي شارك فيها الكثير من علماء الوطن وحاولوا أن يركزوا فيها على أمرين مهمين هما:

- العناية بالفقراء والمحتاجين ودعم صناديق الإحسان والرعاية للفقراء والأيتام والأرامل والمطلقات. كان دافع هذا هو ما ساد في تلك الأيام من إنفاق وبذخ وإسراف في الحفلات التي يقيمها التجار وأصحاب رؤوس الأموال في محاولة لتكوين اسم ومركز شخصي لهم في ثنايا القبيلة. هذا يتفق مع وضعهم في هرم ''ماسلو'' للاحتياجات البشرية، فالإحساس بالذات هو ما يحكم كل الناس في هذه المرحلة من الجدة وسعة الرزق. فلا نستغرب هذا ولا ننسبه إلى القبيلة، إنما إلى هذا التجمع الكبير الذي يبحث فيه كل عن مكانه.

- البعد عن القبلية والعنصرية القبلية والتهور الشبابي الذي أساء إلى القبائل. هذا كان الهم الأكبر لرموز القبائل لأنه كان يهدد بنشوب المشكلات وارتكاب الجرائم حتى بين أبناء الأفخاذ المختلفة من القبيلة نفسها، وكان متوقعاً، لأن مفهوم الانتماء العشائري هو أخطر ما يواجه الدولة التي تتكون من نسيج ''بانورامي'' مختلف الألوان والمكونات.

أزعم أن هذه المحاولة لم تحقق النتيجة المرجوة، وذلك لأن الأساس كان خاطئا لدرجة أن البعض أصبحوا يفضلون أن يحاضرهم شيخ ينتمي للقبيلة أو المحافظة نفسها. إذاً لم تكن هذه هي الوسيلة الملائمة لممارسة هذه الهواية أو دعم بقائها وتوريثها للأجيال.

تدخلت عندها الجهات المختصة وألغت مفهوم تنظيم ''المزاينات'' في مختلف المواقع، وأبقت على موقع واحد يتم فيه تنفيذ المنافسات بشكل بعيد عن الحساسيات والعنصرية والعصبية. فكانت ''أم رقيبة'' المكان الوحيد. رسمياً – كان هذا الأمر مطبقاً، لكن ''المزاينات'' والمنافسات استمرت على استحياء في مواقع أخرى، وهي إلى اليوم تنتشر على شكل مزادات للبيع فيها ما فيها من الملاحظات والخطورة التي يجب أن يتنبه لها.

القضية التي لا تزال في حاجة إلى إعادة النظر والتحريم والتجريم هي قضية الإسراف غير المحمود الذي يحدث قبل احتفالات أم رقيبة وخلالها. الإسراف الذي يجعل شخصا يدعو ضيوفه ويدلهم على موقع المخيم الذي يقيم فيه الحفل باستخدام شحنات تزيد على المائة من الحطب. قام المضيف بإشعال النار على مسافة تتجاوز العشرة كيلو مترات بين الطريق الرئيس وموقع المخيم. تخيلوا أن تكون النيران على طرفي الطريق على مسافة عشرة كيلو مترات في زمن GPS الذي يحدد موقع ''الجن الأزرق''، لكنه ''الهياط'' كفانا الله وإياكم شره.

يحكي لي أحدهم - بحرقة – ويحلف أنه شاهد سيارة '' تغرز'' في الرز المرمي على جانب أحد الخطوط. أمر لا يمكن أن يصدقه أحد في عصرنا هذا. كيف يمكن أن يفعل شخص مثل هذا الأمر في مملكة مسلمة؟ كيف يمكن أن يتجرأ إنسان أن يرمي هذا الكم في بلد يزيد فيه مستفيدو الضمان على المليون؟ ليته أرسل قيمة الحفل إلى جمعية خيرية أو حتى دعم به صندوق إعانة الفقر. لكن هل هذا السلوك غير المنطقي مبرر؟

يقول بيل جيتس، وهو أغنى من أغنى رجل في بلادنا، أن أصرف مالي في الخير أفضل لي من أن يتضخم في السوق. نعم رجل تبرع بكامل ثروته لأعمال الخير، وجاء إلى المملكة فاستقبلته الجمعيات الخيرية ومريدو العون للمحتاجين يريدون منه أن يسهم في دعم برامجهم، وكان أول ما طلبه هو تقديم برامج علمية أصرف عليها لأنني لا أدفع وحسب، إنما أتأكد أن مالي يذهب في مكانه.

لا يهمني من أين جمع هؤلاء أموالهم الطائلة، قد يكون هذا مهماً للجهات الأمنية ومسؤولي أسواق الأسهم ومنظمي اقتصاد البلد، و''الإنتربول'' حتى. ما يهمني هو أثرهم في مستقبلي ومستقبل أبنائي ومستقبل البلد بكليته، فالله تعالى يقول في حقهم (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاۚ). ويقول - جل وعلا (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرا). اللهم هل بلغت... اللهم فاشهد.


حفظ طباعة تعليق إرسال

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

13 تعليق

  1. حساوي (مسجل) (1) 2013-01-11 04:37:00

    شكرا لك ..
    واللبيب بالاشارة يفهم!!
    ولكن ودنا تعمق اكثر في قادم الايام..

  2. عبدالله الغامدي (2) 2013-01-11 07:00:00

    الاستاذ القدير / علي الجحلي.
    اولا جزاك خيرا على كتابة هذا المقال. وانا اقول اشهد انك قد بلغت.
    ثانيا لا اعلم ما الفائدة من اقامة مثل هذه المزايين وما هو المردود فا الإبل خلقها الله للنظر فيها والتأمل في عظمة خالقها، مهرجان ام رقيبة فيه عودة للجاهلية ودعوة للقبلية البغيضة التي قال عنها المصطفى علية افضل الصلاة والسلام " دعوها فإنها منتنه " او كما قال عليه السلام.
    أطالب اهل الحل والعقد في هذا البلد الكريم بإيقاف هذه المهرجانات حفاظا على النعم التي أفاء الله بها علينا. " بشكر الله تدوم النعم".

  3. خالد (3) 2013-01-11 07:22:00

    من الاهميه هو تنضيم المزاين وتاسيس اتحاد متخصص واخذ اراء الناس بكيفيه تنضيم هذا الموضوع بطريقه حضاريه والسماح للغير السعوديين لزياره هذا المهرجان من خارج المملكه وان يسمح لوكالات الانباء العالميه الحضور ودعوه كبار الرياضيين والمجلات الرياضيه من دول العالم وكذلك تنضيم بيعها وتوثيقه عبر مكاتب متخصصه

  4. خالد (4) 2013-01-11 07:26:00

    وللمعلوميه لم يتطرق الدعاه وخطباء المساجد والجامعات الاسلاميه والبرامج الاعلاميه عن السلبيات من هذا المهرجان والاستهتار بالنعمه ورمي الاطعمه. ونتمنى ان يقوم خطباء المساجد والهيئات الدعويه بتفادي السلبيات

  5. طارق حسني (5) 2013-01-11 07:36:00

    السلام عليكم استاذنا علي ..الان انت والاقتصادية بلغتوا جزاكم الله خير ..اللي تحت الانسان المقصود يروح يشتري كل اعداد الاقتصادية ويقول له الاقتصادية ماجات اليوم وشكرا

  6. اقتصاديه (6) 2013-01-11 10:51:00

    مزايين الابل ومنتديات القبائل وقنوات الشعر وغيرها الكثير
    يتفاخرون بشيء ليس لهم يد فيه !! ويقدمونها حتى على الحق حتى وصلت الكثير للفتن والحسد

  7. عبدالله بن قليل أحمد الغامدي (مسجل) (7) 2013-01-11 13:35:00

    أمرنا مترفيها....ياله من عنوان... وياله من مصطلح بليغ,,,,وياليت قومي يعلمون؟!

  8. عبدالرحمن (8) 2013-01-11 13:59:00

    اشهد بالله انك قد بلغت ايها المواطن الصالح الناصح.
    ام ايتام , كان ياتيها الرز فتمتنع عن الأكل ليشبع اطفالها , وبعد فترة اغمي عليها بسبب الجوع
    ونقلت الى العناية المركزة بين الحياة والموت . وعلى مسافة كيلومترات من المستشفى الذي تعالج به (سيارة '' تغرز'' في الرز المرمي على جانب أحد الخطوط. ).

  9. صالح بن علي اللحيده (مسجل) (9) 2013-01-11 15:47:00

    سم الله/ اشكرك استاذعلي،عليٰ تميز مواضيعك وُأثِّي علي رأيك، ورأي والأخ عبد الله الغامدي جملةً وتفصيلآ،ويطيب لي تذييل تعليقي و مداخلآتي بمقالك..!!لقدتحولت ام رقيبه واخواتها الى ظاهرة مثل نوادي ومباريات كرة القدم في جزئية ما في من اهدافهما وإفرازاتهما!تحزبات وتعنصً و بحث عن إثارة النعرات والفتن!؟ وتشبه إلى حد ما  محرك البحث الشيخ قوقل مع فارق التشبيه !؟وقدلا تبدواالافرازات ظاهرة على السطح للعيان اليوم،لكنهاكالجمرتحت الرماد؟!أوأنها بادوار الحضانه،ونحن من حيث لآندري نكّرس، وندعوا للأقليمية الضيقه..!!

  10. صالح بن علي اللحيده (مسجل) (10) 2013-01-11 16:04:00

    ٢-والعنصرية ، المقيته، والجاهلية، البغيضه، والفتن النآئمه؟!والتعالي والتفاخر والمهايط هذا في الجانب الحسي والمعنوي في الجانب والمنظورالمادي والأقتصادي فنحن ابناءالدين الأسلآمي السمح الذي يأمرنا بالوسطية بالعبادات وسآئرافعالناواقوالنا وامورنا الحياتيه ويحضنا على الترشيد والأعتدال في الأكل والمشرب والمسكن والملبس والمركب..الخ ومع ذلك فنحن أمةمسرفة مبذره،فقد تجاوزنا الحدود في افعالنا واقوالنا ونقرأ القران ولكننا لآنتدبر،وكأن على قلوبنا اقفالها كما قاله الله نسينا ،أوتناسينااشياء كثيره منها مجاعة إخوان لنا في بقاعٍ كثيره!!

  11. صالح بن علي اللحيده (مسجل) (11) 2013-01-11 16:11:00

    ٣- وإبتلآء،وغمة ومحنة شتتت إخوة لنا في العروبة ولأسلآم في ٤جبهات بالعراء والوحل والأمطار والثلوج، وتناسينا الإاليسير ونسيناماهو الأهم اقوال احسن القائلين ومن احسن من الله قيلآقال تعالى:{وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}وقال: وَآتِ ذي الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا٢٦إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواإِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ٢٧سورة الإسراء)وفي حديث المغيرة عن الرسول عليه الصلآة وال سلآم قال: إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات . وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال؟!!

  12. أبوتميم حمد الربيعة (12) 2013-01-11 17:51:00

    السلام عليكم أستاذي علي الجحلي وعلى ضيوفك الطيبين,
    أنا أشهد أنك بلغت ,
    تحياتي ولايكاتي

  13. الطلطلي الكريزي العربي (مسجل) (13) 2013-01-11 20:10:00

    فقدان القدوة الحسنة رأس المصائب على مدى العصور وهي من أهم أسباب ظياع الأمم الشيخ والأمير والوزير والمدير ورجل الأعمال والمال وووووو هم أهم من يقودوا العامية نحو الأفضل وهم القدوة أول وأخيرا

التعليق مقفل

السيرة الذاتية

alja7li@yahoo.com

خلاصات الــ RSS

أرشيف المقالات

ابحث في مقالات علي الجحلي