كيف يمكن لمديري الأزمات أن يُـقـَيموا المخاطر التي تتربص ببنك ما، أو شركة تأمين أو أية شركة أخرى؟ في السنوات القليلة الماضية للاضطراب المالي، تمت مناقشة هذا السؤال مراتٍ عدة ولم يتم طرح بوادر أفكار؛ لنسترجع كافة المناقشات حيال قيمة المخاطرة ونماذج أخرى.
لكن إحدى وجهات النظر المثيرة للاهتمام في هذا الموضوع لا تأتي من المصرفيين ولكن من مجموعة من خبراء شؤون التأمين وعلماء الإنسانيات.
خبراء شؤون التأمين مدربون على أن يكونوا محترفين في التعامل مع الأرقام. وعلماء الإنسانيات، على العكس، يتعاملون مع الأفكار المتزعزعة غير الكمية مثل الثقافة.
مع ذلك، في الشهور الأخيرة منظمة خبراء شؤون التأمين المهنيين بالمملكة المتحدة كانت تحاول، مستندة إلى صلاحيتها، أن توسع من مداركها كي تتجاوز الإحصاءات، بشكل جزئي لأن أعضاءها ينتقلون إلى التعامل مع مهام عالية الخطورة. لذا، عندما عقدت الهيئة مؤتمرها السنوي في جامعة ليدز، دعت علماء الإنسانيات، أمثال مايكل طومسون، لمناقشة الافتراضات الثقافية التي تشكل خطراً في المعاشات والتأمين.
أحد المواضيع التى يجب أن تأخذ في الحسبان، والتى ناقشها طومسون، هى تنوع الافتراضات عن خطر يحدق بمجتمع، أومؤسسة أو شركة. وعلى الأخص، وهذا ما يعتقده، أن متغيرين يشكلان ضوابط المخاطرة: هل نفترض أن أحدا ً ما مسؤول؟ وهل هيكلة السلطة تمت بنية سليمة؟
في الموضوع الأول، مثلا، يمكننا تصور العالم بطريقتين. في بعض الأحيان، تعتقد المجتمعات أن هناك نموذجا للتحكم عمودياً وهرمياً (كشخص ما، مثل الحكومة، المسؤولة) ولكن في بعض الأحيان هناك تفاعل أفقي يتحكم فيه العامة بالقوانين. هذا النموذج الثاني كان الطريقة التي يفترض تقريباً أن تعمل بها أسواق المال قبل عام 2007، عندما قام المستثمرون وقوى السوق الحر بتشكيل النظام المالي بدلاً من إملاءات الحكومة. أياً يكن، منذ 2007، فإن التدخلات الحكومية قلصت بشكل متكرر سلطة العوام، بشكلٍ أشعرهم بالغربة تجاه المستثمرين.
وبالرغم من ذلك، من المهم أيضاً إن كنا نعتقد أن المجتمعات تدار بسلوك حميد ومسؤول، أم لا. العلاقات الهرمية لا يمكن اعتبارها ذات فائدة؛ فالمنظمون العقلاء، مثلا، يمكنهم تشكيل الأسواق بعقلانية، وطرق مسؤولة ومديرو الشركات يقومون بتفادي المخاطر. وأياً كان، تبدو السلطة في بعض الأحيان متقلبة وضارة؛ فالحكومات المصابة بالذعر تقوم بشكل مفاجئ بعمل أشياء غير متوقعة وسلبية. بالمثل ، بينما الحكم العام قد يشعر بحسن النية والتعاون من جانب الأسواق، قل إن شئت، أن يشعروا أنهم في مجتمع – يمكن أن يكون الأمر هرمياً وغير سار، وهي هكذا تمثل فطرة أنانية تدفعها شريعة الغاب.
مثل هذه النقاط قد تبدو مجردة. مع ذلك، بيت القصيد هو أن هذه الرباعية تشكل الطريقة التي تقيم بها المؤسسات الصدمات وتحاول بها التحكم في المخاطر. والمؤمنون بالنظرية النفعية، الذين يعتقدون أن كل شخص بطبيعته أناني، ويفترضون أن أفضل طريقة لإدارة الأزمة في عالم يأكل القوي فيه الضعيف، هي التعامل مع هذه المخاطر. مع ذلك، المجتمعات التي تعتقد في التعاون المتساوي، تميل إلى التحكم في الخسائر ومشاركة المعاناة، في حالة حدوث كارثة.
وبالمثل، حينما افتُـرض أن الأنظمة الهرمية حصيفة وغير خطرة، كان هناك إيمان بقدرة القادة على التوجه نحو نتائج ٍ أفضل. لكن حينما يتصور الناس أن هياكل السلطة وكأنها متقلبة وخطرة، فإنهم يميلون أن يكونوا مؤمنين بالقضاء والقدر. وهذا يخلق افتراضاً أن الطريق الوحيد للاحتماء من الأخطار المجهولة وغير السارة هو تنويع حافظتك الاستثمارية.
يمكن للطباع أن تتغير في مجمل أي دورة اقتصادية: يهيمن النفعيون عندما تصبح الحياة غامضة، لكن في فتراتٍ أكثر حداثة، هناك إيمان أعظم بسيادة النوايا الحميدة. لربما الأمر الأكثر إثارةً للاهتمام أن الهيئات تتنوع، هي الأخرى. فعندما قام طومسون بدراسة ثماني شركات تأمين، مثلا، وجد أن ثقافتهم المحلية يمكن استبدالها بأجزاء مختلفة تمثل سياساتٍ داخلية تجاه المخاطر. وفي بعض شركات التأمين تم التأكيد على حدود المخاطر الميكانيكية. وفي بعض آخر فضلوا أن وضع إيمانهم في قدرة القادة الكبار على "إدارة" المخاطر.
في الوقت الراهن، يمكن لهذه الأفكار أن تبدو غامضة ً بالنسبة لبعض الإحصائيين. وستظل رؤية الأمر على نحو كيف يمكنهم أن يجتمعوا مع بعض عمل علماء النفس على كيف أن المستثمرين يقيمون المخاطر. ولكن إن لم يكن شيئا ً آخر، فإن عمل طومسون عزز فكرة أن إدارة المخاطر ليست علماً تماما ً، في أقل الأحوال عندما تكون هناك نقلة نوعية جارية. والمستثمرون في منطقة اليورو يلاحظون هذا: بينما تحاول أن ترى الأحداث اليوم بطريقة منطقية، لا تقم فقط بتحليل كلمات ماريو دراجي؛ سَـل نفسك إن كنت تعتقد أن أية حكومة مسيطرة على الأوضاع الآن – وإذا ما كانت الديناميكيات حسنة النية.
الإجابة تَـهُم – وليس فقط التضحية بالمديرين.
