الحياة مليئة بالدروس والعبر منها ما نتعلمه بصعوبة ومشقة, ويكون لنا فيها تجارب ومحن, ومنها ما نتعلمه من الآخرين فيكفينا ذلك عناء التعب والنّصب. ولكن حتى نتعلمه يتطلب الأمر منا قلب يقظ وعقل منفتح, وأضف إلى ذلك كله حب التعلم ومشاهدة الأشياء والأحداث من حولنا ولكن بنظرة ثاقبة مختلفة.
من هذه المشاهدات اليومية هو ما يفعله الأطفال وبشكل عفوي وبرئ , و التي قد تمر علينا مرور الكرام ولا نلاحظها وقد يكون عندهم الكثير ليعلموه لنا نحن الكبار. وربما السبب في ذلك أننا ننظر إليهم بنظرة المعلم لا المتعلم.
تذكر بعض الدراسات الحديثة أن الأطفال يملكون إبداع فكري فطري تصل نسبته إلى تسعين في المائة حتى سن السابعة, ثم نحن وللأسف نغتاله فيصبح فيما بعد عشرة في المائة فقط, والسبب وراء ذلك هو توجيهاتنا وقوانيننا اللانهاية التي تُصب فوق رؤوسهم صبا !.
ولعل هذه النسبة العالية في ملكة الإبداع التي لديهم سببها بعض الصفات الفريدة التي يتحلون بها. وأول هذه الصفات وأهمها هي صفاء القلب والعقل من الضغائن. وهذه الصفة بالذات تمدك بصفاء الذهن مما ينمي لديك قوة الملاحظة والمشاهدة, وهي أيضا تجعلك تتقبل أراء و أفكار الآخرين بصدر رحب فلا تحكم على الأفكار من خلال الأشخاص. وقد قيل: أن الحكماء يتأملون الأفكار والعقلاء يناقشون الأحداث والعامة يتكلمون في الناس!.
ثانيا إن لدى الطفل حس خيال واسع فنجده يهز اللعبة هزا عنيفا فهو لا يكرها ولكنه يفكر في ماهيتها ثم يضل يُقلبها ثم يتذوقها ! ذلك هو الخيال بلا قيود , وهو انفتاح على جميع الاحتمالات , و تلك الخصلة أهم من المعرفة لذلك قال اينشتاين " إن العلامة الحقيقة للإبداع ليست في المعرفة بل في الخيال ".
ثالثا أن عند الطفل سر عجيب في عدم التوقف عن المحاولة, وانظر إليه وهو يحاول مرارا جاهدا وبشتى الطرق إن يجمّع أو يركب لعبة بيديه الناعمتين. و مثال آخر هو ابسط ولكنه في المعنى هو أكبر إلا وهو كلمة بابا أو ماما. فهو يرددها بلا كلل أو ملل حتى يجذب انتباهك ثم يظلل يردده حتى يحصل على ما يريد. فذلك الطفل بالكاد ينطق حرفا هو أشد منا عزيمة وهمة, أليس في ذلك درس مُهم في الحياة ؟!.
دعونا ننظر إلى الأطفال ولو لبعض الوقت على أنهم هم الأساتذة ونحن تلاميذهم وسوف ننبهر بما نتعلم منهم, ثم تخيل معي ماذا يمكن أن ننتج في هذه الحياة إذا ملكنا تلك الصفات الثلاثة العجيبة ( صفاء عقل وقلب , و خيال واسع , وعدم توقف عن المحاولة) فربما استطعنا أن نسكن في المريخ قريبا.
