الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 25 يونيو 2026 | 9 مُحَرَّم 1448
Logo

عندما قرأت آخر مقالة وقعت في يدي عن" خروج اليونان"، جالت بخاطري عبارة من فيلم رجل الماراثون. يلعب لورانس أوليفييه في هذه القصة المثيرة دور مجرم حرب تحول إلى طبيب أسنان يقوم بتعذيب داستن هوفمان بالحفر في عصب أسنانه دون استخدام مخدر. وبينما كان يفعل ذلك كان يسأل مراراً "هل هذا آمن؟". "هل هذا آمن؟". هذا هو السؤال الذي سأله قادة أوروبا لأنفسهم لعدة أشهر وهم يفكرون في خروج اليونان من منطقة اليورو. ووجدت نفسي في أواخر العام الماضي أناقش هذا السؤال مع أحد كبار الساسة الأوروبيين، وقد لاحظ أنني كتبت مراراً أن منطقة اليورو عبارة عن بناء معيب من المرجح أن ينهار. وقد سألني إذا كان الأمر كذلك، أليس من الأفضل تفكيك الأمر برمته الآن؟

عند هذه النقطة لجأت إلى المكر والمراوغة، فقلت: "المشكلة أنني دائماً ما يقال لي إن التفكيك سيتسبب في كارثة. ولا يمكنني الدفاع عن ذلك بثقة حتى أخبرك بشكل مقنع عن سبب عدم صحة ذلك". لكن المراوغة لم تعد جيدة بالشكل الكافي وقد تضطر أوروبا في الأشهر المقبلة إلى اتخاذ قرار.

وللإجابة على السؤال الذي تهربت منه في كانون الأول (ديسمبر)، نعم أعتقد أنه سيكون من الأفضل في نهاية المطاف تفكيك منطقة اليورو، وقد لا ينطوي ذلك على العودة بشكل كامل إلى العملات الوطنية. وربما تنجو النواة الصلبة لليورو- المتمركزة في ألمانيا- لكن اليورو بشكله الحالي سيتعين عليه الاختفاء.

ومما لا شك فيه أن هذا الانتقال سيكون مؤلماً ومحفوفاً بالمخاطر. وقد نشر زميلي مارتن وولف نسخة مُحدثة من سيناريو الرعب الكامل في "فاينانشيال تايمز" يوم الجمعة- وينطوي هذا السيناريو على انهيار القانون والنظام في اليونان وانهيار مالي في أنحاء أوروبا كافة، فكيف يمكن لأي شخص المجازفة بذلك بثقة؟

الإجابة هي أن البدائل لتفكيك اليورو غير معقولة بطبيعتها ولا تلقى قبولاً كبيراً. وطالب قادة مجموعة الثماني في عطلة نهاية الأسبوع ببقاء اليونان في منطقة اليورو. ويبدو أن خطتهم الحالية تنطوي على نوع ما من مزيج سحري من التحفيز والتقشف يعيد كلاً من التوازن في الميزانية والنمو على حد سواء. لكنهم حتى إذا تمكنوا من الاتفاق على خطة حقيقية وحتى إذا نجحت هذه الخطة، فإن المشاكل الهيكلية التي تواجهها منطقة اليورو ستظل قائمة.

ومن دون خيار تخفيض قيمة عملاتها، يتبقى أمام الاقتصادات غير القادرة على المنافسة" تخفيض قيمة عملاتها في الداخل" وهو ما يعرف على نحو مختلف بخفض الأجور وارتفاع معدلات البطالة. ومما لا شك فيه أن دولا مثل اليونان في أمَسِّ الحاجة إلى إصلاحات اقتصادية، لكن هذه الإصلاحات- التي تجري في إطار قيود يفرضها الاتحاد النقدي مع ألمانيا- تسبب اضطرابا سياسيا واقتصاديا.

ومع ذلك، تعد المشكلة الحقيقية مشكلة سياسية. فليس لليورو اتحاد سياسي، ولذا فهو يفتقر بكل بساطة إلى المؤسسات الرئيسة اللازمة لنجاح الاتحاد النقدي. ولا توجد حكومة مركزية قوية لفرض الانضباط في الميزانية، ولا ميزانية فيدرالية كبيرة لتمويل التحويلات من المناطق الغنية إلى المناطق الفقيرة. وعلاوة على ذلك، لا توجد خطة تأمين لودائع البنوك على مستوى منطقة اليورو.

ومن الناحية النظرية، يمكن أن تصحح منطقة اليورو هذا الخطأ عن طريق الانتقال إلى اتحاد سياسي حقيقي، لكن فكرة نقل السيادة بشكل دائم من أثينا إلى بروكسل لاقت رفضاً من الأطراف كافة في اليونان. وفي ألمانيا ما زالت فكرة إقامة اتحاد تحويلات- ينطوي على تدفق دائم للدعم من شمال أوروبا إلى جنوبها - تعد فكرة بغيضة. وحتى إذا كان الساسة في الاتحاد الأوروبي قادرين على التغلب على هذه الاعتراضات وإنشاء اتحاد فيدرالي حقيقي، فإن هذا الكيان الجديد العملاق من شأنه تجويف سلطات الديمقراطيات الوطنية. ومما لا شك فيه أن التضحية بالحكم الذاتي الوطني في سبيل اليورو مرفوض بطبيعته - وسيثير ردة فعل وطنية في أنحاء أوروبا كافة، فهذا العلاج لأمراض اليورو سيكون أسوأ من المرض.

ولأن البدائل طويلة المدى لتفكيك منطقة اليورو تفتقر للصدقية، من الضروري التفكير في كيفية التعامل مع مثل هذا الحدث، وليس مجرد استبعاده بكل بساطة على اعتبار أن التفكير فيه في غاية الخطورة. وللأسف، خطط التفكيك التي يضعها الأوروبيون بالفعل خلف الأبواب المغلقة محدودة للغاية، فهم يتخيلون خروج اليونان وفي أعقابه بذل جهود حثيثة لإقامة جدار حماية من شأنه الحؤول دون سقوط دول أخرى في هاوية الأزمة، ولهذا أصداء مؤسفة في العامين الماضيين، حيث حاول الاتحاد الأوروبي بشكل مستمر حصر الأزمة في اليونان لكنه أخفق في ذلك. وفي الواقع، سيتسبب خروج اليونان في العدوى وسيتضح أنه من غير الضروري أن تكون عضوية منطقة اليورو دائمة، وستتجاهل الأسواق حتماً الدول الضعيفة القادمة.

والسماح بأن يكون مصير اليورو مدفوعاً بسلسلة من حالات الذعر في السوق سيكون أسوأ السبل الممكنة لتفكيك العملة الموحدة. وينطوي ذلك على خسارة المليارات من اليورو من الأموال العامة التي يستنفدها الاتحاد الأوروبي من خلال جدار الحماية الخاص به، وسيتسبب الاضطراب السياسي والاقتصادي الذي يعقب ذلك في حالة من الذعر العام وتشويه سمعة الساسة المسؤولين.

وبالطبع سيكون من الأفضل إذا أجرى قادة الاتحاد الأوروبي تقييماً عقلانياً للدول التي لديها الرغبة والقدرة على البقاء في منطقة اليورو وإعلان خطط للعمل على الفصل المنظم والودي بين الدول التي ستبقي والدول التي ستغادر، وبهذه الطريقة فقط ربما يتمكنوا في النهاية من تحقيق الهدف الذي كثيراً ما أعلنوا عنه، وهو" استباق الأحداث". وكل الدول التي تستخدم اليورو تقريباً اعتمدت استخدامه دون إجراء استفتاء، ويمكن أن تتخلى عنه بالطريقة نفسها.

وحتى" الطلاق المخملي "لمنطقة اليورو سينطوي على مخاطر هائلة، لكنه سيتيح على الأقل خروجاً معقولاً من المتاهة الحالية. وكما يقول المثل الألماني" نهاية مرعبة أفضل من رعب بلا نهاية".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية