على مدار السنوات الأربع الماضية كانت الهواتف لا تكاد تتوقف عن الرنين لدى وكلاء الذهب، مثل مانفرا وتورديلا وبروكس، في وسط مدينة مانهاتن.
فقد هرع المستثمرون إلى شراء الذهب عندما أعلن ليمان براذرز إفلاسه في 2008. وعندما اندلعت أزمة منطقة اليورو في عام 2010، اشترى المستثمرون مزيدا من الذهب. وحين خسرت الولايات المتحدة تصنيف ديونها عند A ثلاثية في الصيف الماضي، اشتروا كميات أكثر وأكثر.
لكن هذا العام تراجعت موجة الشراء وقال مايك كرامر، رئيس وكلاء الذهب في مانهاتن: "مرت أيام كنا نتساءل فيها عما إذا كانت الهواتف تعمل أم لا". وقدر انخفاض مبيعات العملات الذهبية والفضية وكذلك السبائك الصغيرة بنحو 50 في المائة في الشهرين الماضيين.
وهو ليس وحده الذي يشتكي من هذا الأمر. ففي الولايات المتحدة بصورة خاصة، وفي أوروبا بصفة عامة، تضاءل الاهتمام بالذهب والفضة.
وانتشار اللا مبالاة تجاه المعادن النفيسة أثر سلبًا في الأسعار. ففي الأسبوع الماضي تراجع الذهب إلى أدنى مستوى له في أربعة أشهر وصل إلى 1527 دولارا للأونصة، منخفضًا 25 في المائة من أعلى مستوى وصل إليه في أيلول (سبتمبر) الماضي، حين صعد إلى 1920 دولارا.
ويظهر التحول بوضوح على مستوى الطلب على العملة الذهبية - الذي غالبًا ما يُنظر إليه على أنه مؤشر رئيسي معنوي. فقد انخفضت مبيعات "أمريكان إيجل" وهي من العملات الذهبية ذات الشعبية، بنسبة 63 في المائة سنويًا منذ شباط (فبراير) الماضي، وفقا لهيئة سك العملات في الولايات المتحدة. وتراجعت مبيعات "فيينا فيلهارمونيكس"، الأكثر شعبية في أوروبا، بنسبة 19 في المائة للذهب و31 في المائة للفضة في الربع الأول، وفقا لهيئة سك العملات في النمسا.
وحتى مع مستثمري التجزئة – وهو الوصف الذي يطلقه المحللون على الأشخاص العاديين – الذين يظهرون فقدان الاهتمام بالذهب، يجري التشكيك في النظرة المتفائلة بين التجار.
وتساءل جولدمان ساكس في تقرير صدر أخيرا: "هل بدأ الذهب يفقد بريقه كعملة الملاذ الأخير؟". وخفض كل من "إتش إس بي سي"، و"باركليز"، و"يو بي أس"، و"ماكواري" توقعاته لأسعار المعدن النفيس.
ويعود انخفاض الطلب جزئيا إلى بيانات اقتصادية أفضل من المتوقع قادمة من الولايات المتحدة، التي تضاءلت فيها الآمال في مزيد من التسهيل الكمي، أو شراء الطارئ من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي لسندات الخزانة الأمريكية.
لكن المستثمرين أصيبوا بخيبة أمل أيضًا جراء أداء الذهب، ليس فقط بسبب التراجع في أسعاره، ولكن بعدما انخفضت أغلب التوقعات بسبب المخاوف بشأن النمو وأزمة منطقة اليورو، إضافة إلى التخبط الذي حدث بين المستثمرين الذين اشتروا الذهب كملاذ من الاضطراب المالي.
كذلك انقطعت العلاقة التقليدية بين الذهب وأسعار الفائدة المعدلة حسب التضخم - كلما تراجعت أسعار الفائدة تراجعت معها تكلفة فرصة امتلاك الذهب.
ويقول جوناثان بوتس، العضو المنتدب في فيدلي تريد، أكبر وكيل لصناعة السبائك في الولايات المتحدة: "حاليا لا أسمع كثافة في أصوات الناس الذين يدفعهم الخوف لشراء المعادن الثمينة"، مشيرا إلى أن المبيعات خلال الشهرين الماضيين كانت الأكثر هدوءًا منذ عام 2007.
وفي النهاية، كانت الدعامة التقليدية في الأسواق الآسيوية المادية غائبة. ففي عمليات البيع السابقة، كان المستثمرون الآسيويون يشترون الذهب عن طيب خاطر بأسعار أقل. ويحكي التجار في زافاري بازار، أكبر سوق للذهب في مومباي، حكايات عن المعاناة شبيهة بما يحكيه نظراؤهم الأمريكيون.
وقال ديليب توليساني، مدير أحد محال الذهب: "لقد توقف تقديم الذهب تمامًا كهدايا صغيرة، الناس يشترون الآن كميات ذهب أقل بنسبة 25 إلى 30 في المائة من المعتاد لحفلات الزفاف". وفقد الهنود الاهتمام بشراء الذهب، لكن الانهيار في قيمة الروبية حافظ على أسعار الذهب مرتفعة، بسبب انهيار الأسواق المقومة بالدولار.
وتسببت مساع حكومية للحد من واردات الذهب، من خلال إدخال ضرائب جديدة، في مزيد من الضعف في جانب الطلب الذي تراجع بنسبة 29 في المائة في الربع الأول، مقارنة بالفترة نفسها عام 2011، وفقا لأحد المحللين في مجلس الذهب العالمي.
ويقول مستوردون غربيون: إن المبيعات في الشهرين الماضيين انخفضت بنسبة 50 في المائة، أو أكثر على أساس سنوى. وأسهم مزيج من ضعف الطلب في الغرب وفي آسيا في جعل التجار عصبيين. ويقول أحد كبار المصرفيين: "يمكنني أن أرى الذهب عند 1400 دولار".
وبحسب ماركوس جروب، من مجلس الذهب العالمي، باع بعض مديري الأصول جزءا من ممتلكاتهم من الذهب. وقال باركليز كابيتال: إن مراكز المستثمرين في عقود الذهب الآجلة وفي الخيارات هي الأقل صعودا منذ كانون الأول (ديسمبر) 2008.
وعلى الرغم من ذلك، قليلون من هم على استعداد لاستنتاج أن الاتجاه التصاعدي قد انتهى. فإمكانية خروج اليونان من منطقة اليورو، وضعف البيانات الاقتصادية القادمة من الولايات المتحدة، وحالة عدم اليقين السياسي المرتبطة بالانتخابات الأمريكية كلها عوامل يمكن أن توقظ الاهتمام بالذهب من جديد. وظلت البنوك المركزية ثابتة بالنسبة لأسعار الشراء طوال مدة التراجع في الأسعار. وقال جيفري كوري، رئيس قسم أبحاث السلع في بنك جولدمان ساكس: "نعتقد أن قضية ارتفاع أسعار الذهب لا تزال كما هي".
وفي الواقع، منذ الانخفاض الأخير يوم الأربعاء، انتعش الذهب بنسبة 5 في المائة تقريبا، ووصل مرة أخرى إلى 1600 دولار أمس الأول.
وقال تيري هانلون، رئيس المعادن في شركة جيج ديلون لتجارة وتكرير سبائك الذهب: "لقد بدأنا في زيادة الطلب في الأسبوعين الماضيين". وفي زافاري بازار يتطلع المستهلكون بالفعل إلى انخفاض في الأسعار. ويقول كومشميو، وهو من سكان ضواحي مومباي: "منذ ستة أشهر كان الذهب مكلفًا، لقد كنا في انتظار أن تنخفض الأسعار، وهو ما بدأ يحدث الآن".

