منذ أمد ليس بالقريب وأمتنا العربية تراوح مكانها، وكأنها سقطت في هوة سحيقة، ذات جاذبية عجيبة، تجلب إليها كل من حاول الخلاص منها بطريقة غريبة، وما يحدث لها هذه الأيام يجعل هذا التوصيف قريباً من الحقيقة، وتاريخ العقود الأخيرة لم يوثق تقدماً يرفد الأمة.
فالعثرات كثيرة والإنجازات قليلة، ورغم تطور وتقدم دول عديدة في شرق العالم وغربه مازالت خطى معظم دول العرب بطيئة، لا ترقى لمستوى المنافسة المأمولة، ومعلوم أنه ليس ثمة قمة ثابتة للعلا والمجد يستحلها من يصلها أولا، فيقصي الغير، بل إن المجد والرفعة منازل شتى، وعلى قدر الجد والعزم والبذل تكون المنزلة.
إن المتتبع والمتأمل لوضع الدول التي جعلت العلم والعمل والإنتاج سبيل نهضتها وعلو
شأنها، يدرك أن هناك عقول نيرة وضعت الأهداف وحددت طريقاً واضحاً يصل اليها، وتلك مجتمعات لم يطغى التناحر والتحزب والتشتت على مشهدها العام، وهذا سر قوة وتفوق أي مجتمع.
وبالعودة للمنطقة العربية نجد أن فئة ممن ينتمون لطبقة المثقفين والنخبة باتوا يشكلون حجر عثرة أمام مسيرة أمتهم، وذلك من خلال الطرح الإعلامي الذي يفتقد روح الإخلاص، ويتصف بالسطحية، ويسعى لتغليب المصالح الضيقة على المصالح العامة مما يعني أن السقف العملي والمعرفي لهؤلاء لا يؤهلهم ليكونوا قدوة ونبراس لغيرهم، والمحصلة تفريخ جيل متأزم لا يستطيع تقبل بعضه البعض، ولا يستطيع السير مجتمعاً نحو هدف موحد، وانشغل عن الاهداف السامية بالتناحر وكيل التهم، فأضحت الطاقات متصارعة متضادة مهدرة دون فائدة.
واليوم المنطقة العربية تمر بمنحنى جديد عقب اندلاع الثورات في عدد من البلدان، وما نرجوه هو أن لا تكون هذه المرحلة مجرد نكسة بشكل مختلف وباتجاه غير معروف، لست متشائما ولكن المعطيات حتى الآن جلها لا يشجع ولا يدعوا للفأل، ومما لا شك فيه أننا بحاجة ماسة لنبذ كل أسباب الفرقة والتباعد، فالعوامل التي تجمعنا كثيرة ولا ينقصها سوى اعمالها وتفعيلها. ختاماً، دعونا نأخذ خلاصة تجارب غيرنا ونبني عليها حتى نتغنى بماض عريق مؤثل، وحاضر مشرق مليء بالانجازات.

