الأحد, 9 أغسطس 2026|24 صَفَر 1448
الاقتصادية

تختلف الشركات العائلية عن الشركات الأخرى في أمور كثيرة ، ولكنه ودون أدنى شك فإنّ ثمة قاسماً مشترك بينهما، وهو ضرورة تحقيق النمو في الشركة، وبالنظر إلى الشركات العائلية نلاحظ ، وعلى الصعيد النظري والواقعي، وجود معوقات كثيرة للنمو قد تتلخّص في نشوء التجمعات والتكتلات الإدارية داخل الشركة، وهذه تؤثر بشكل مباشر على أداء الشركة ونموها التطوري، حيث إنّه وفي ظلّ وجود هذه التجمعات أو التكتلات يصبح المدراء التنفيذيون في الشركة أقلّ ديناميكية وأكثر بيروقراطيّة، الأمر الذي ينعكس على المردود الإجمالي للعطاء الإنتاجي للشركة. وكذلك سعي أفراد العائلة والذين هم مالكون للشركة للسيطرة على مبادرات النمو وعدم السماح لأشخاص من خارج الشركة بأنْ يؤدّوا دور أصحاب المبادرات، علماً بأنَّ النمو المولد من داخل الشركة يعتمد بشكل أساسي على عدد من مسائل الثقافة التنظيمية السائدة والتي يجب أنْ تتحلّى بالمهنية وتتخلى عن العاطفية.

إنَّ الاهتمام بالشركات العائلية ، وبدعم نموها ، يتأتي من أنّ الشركات العائلية، كانت وما زالت، تلعب الدور الأهم والحاسم في اقتصاديات العالم ، وقد أسهمت وبشكل ناجح فيما مضى، غير أنّه وفي ظلّ التطورات الاقتصادية الحادثة والتي ما زالت تعصف بالعالم، يصبح من المهم وحتى بعد المعافاة التامة من آثار العاصفة الاقتصادية، أن تنتبه الجهات الرسمية والقائمون على أمر الشركات العائلية بدراسة معرقلات ومعوقات نموّها بشكل منهجي وواضح حتى تتجنّب الشركات العائلية، وكذلك الدول، التأثيرات السالبة التي قد تصيب الاقتصاديات نتيجة لتحكم وتفشي معرقلات النمو. وسبق أنْ أوردنا في مقال سابق أنّه وإذ سمح الماضي ببعض الأخطاء فإنّه وفي ظلّ النظام العالمي الجديد فإنّ الأخطاء الصغيرة قد يكون ثمنها الثروة، ليس هذا فحسب بل وندبات كبيرة في اقتصاد الوطن.

ويبرز اليوم نموذجٌ جديدٌ لأفضل الممارسات في الشركات العائلية، وهو يقوم على التخطيط المتوازي للعمل والعائلة، ويقصد بالتخطيط المتوازي أنْ يكون هناك عدد من العمليات المرتكزة على اتخاذ القرارات، وبلورة الهدف العام للشركة والعائلة، والإدارة الاستراتيجية لهما لتكون النتيجة النهائية لهذه الأعمال هي خطة استراتيجية موحّدة بين العائلة والعمل، وتكون قادرة على زيادة قيمة الشركة الاقتصادية إلى أقصى حدّ في المدى الطويل، وتتضمن عملية التخطيط المتوازي عدّة مراحل من خلالها يتحتّم على العائلة أنْ تسعى إلى توليد رؤية عائلية مشتركة تعبر عن قيم العائلة، وتوضح في الوقت ذاته التوقعات المستقبلية لها وبشأن نمو أعمالها. وفي نظرنا أنّه لن تتأتى عملية توليد الرؤية المشتركة للعائلة إلا عبر الاجتماعات العائلية والتواصل الحرّ مع تدوين ميثاق عائلي مكتوب يعبر بالتمام عن أساليب الإدارة التي يجب أنْ تتبع ويتعهد فيه القائمون على الإدارة بأنْ يبقوا ناشطين وملتزمين بهذه الأساليب. ومن جهة أخرى فإنّ التخطيط المتوازي يتضمن منهجية توضح الكيفية التي تتخذ بها العائلة للقرارات والأسس المتعلقة بطريقة اختيار الأفراد ومشاركتهم في التنظيم والإدارة، وهنا يتحتم على الشركات العائلية أنْ تتجنّب العواطف التي تتميز بها العلاقات العائلية وأنْ يتمّ بناء أسس الاختيار على أساس الكفاءات مع إطلاق عملية فاعلة لإعداد الأشخاص الذين سيتولون الخلافة في المستقبل.

نعم إنَّ المزج بين العائلة والعمل يثير تناقضات كثيرة، غير أنّ العائلات التي تمتلك أعمالاً ناجحة دوما هي التي توفق بين هذه التناقضات وبين التفكير غير الفطري والممارسات غير التقليدية، وتحاول عبر عدة طرق أن تتفادى معوّقات نموها لتنطلق لآفاق أرحب من الاستقرار والتقدّم والسيطرة على الخلافات، لا نقول هنا بعدم وجود الخلافات لأنّ الخلاف أمرٌ طبيعي في الشركات العائلية، ولكن تتمُّ السيطرة عليه عبر توفيق نظامي العمل والعائلية، فنظام العائلية يعتمد على العواطف والولاء والمساواة، ويمكن إنْ تستمر العضوية فيه مدى الحياة بغض النظر عن جودة الأداء ، أما نظام العمل فإنّه يعتمد على المهنية والتفكير المنظم وأنّ العضوية فيه يجب أنْ تتأثر بجودة الأداء والكفاءة وعبر التوفيق بين النظامين تستطيع الشركة العائلية أنْ ترسم طريقاً نحو النمو والاستمرارية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية