عندما وصف بشارة الراعي، بطريرك الكنيسة المارونية في لبنان، سورية هذا العام بأنها "الأقرب إلى الديمقراطية في العالم العربي"، وعندما أثنى إغناطيوس الرابع حازم، بطريرك أنطاكية والمسيحيين الأرثوذكس اليونانيين في سورية، على نظام بشار الأسد الوحشي بسبب "الإصلاحات التي أجريت"، لم يكن هذا انحرافًا لرجال دين من عالم آخر. ومع ذلك فهم ينقلون، بشكل غير دقيق، حالة عدم الارتياح بين المسيحيين العرب بشأن الثورة السورية ضد الطغيان التي استمرت على مدار عام بأكمله.
ومن بين كل الثورات التي أطاحت بالأنظمة القديمة، لم يقلق أيٌّ منها قادة الأقليات الدينية في الشرق الأوسط أكثر مما فعلت الثورة السورية التي تمثل الفصل الأكثر دموية في الصحوة العربية. وتتمثل مخاوفهم في أن الإطاحة بإحدى الأقليات، العلويين الذين حكمت من خلالهم عائلة الأسد سورية أكثر من أربعة عقود، سيحرر عفاريت الطائفية التي تهدد كل الأقليات.
وتخيم ذكريات العراق كالأشباح على المنطقة، عندما كان الغزو في عام 2003 بقيادة الولايات المتحدة نقطة البداية لمذابح عرقية وطائفية وتشتيت الأقليات السنية والمسيحية في المنفى، وكذلك ما حدث من إراقة الدماء بين الطوائف في لبنان، وهو ما أدى إلى تقسيمها على أساس طائفي في فترة الحرب الأهلية التي اندلعت فيما بين عامي 1975 و1990.
ولأن كل هذه الثورات ستكون بحاجة إلى تطوير كل شيء بدءًا من سيادة القانون حتى الثقافة السياسية التعددية كي تنجح، فإن الاختبار النهائي للصحوة العربية سيتمثل في مدى حساسية وعدل الأنظمة الجديدة في التعامل مع الأقليات خاصة في الدول التي تعد موطنًا لعدد كبير من الطوائف والجماعات العرقية مثل سورية. وإذا اشتعل الصراع الطائفي، قد تواجه المنطقة مصير البلقان، مع وجود قوى خارجية تحارب من خلال وكلاء محليين في سورية والعراق ولبنان.
وحتى مع تكشف هذه الاضطرابات، تواجه الأقليات مثل المسيحيين والعلويين والدروز أو الأكراد المتميزين عرقيًّا خطر الانحصار في الصراع الإقليمي الشامل داخل الإسلام بين الغالبية السنية والشيعة- وهو ما احتدم بشكل مرير بعد إحلال الاحتلال محل دكتاتورية الأقلية السنية التي مارسها صدام حسين وحكومته مع الشيعة التي تمثل الأغلبية في العراق.
وقد اكتسبت الشيعة، التي تمثل الأقلية المهمشة في العالم، قوة حقيقية في العقود الثلاثة الماضية، ولا يرجع السبب في ذلك إلى العراق فحسب، فبعد اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979 في إيران الشيعية (والفارسية) امتد انتشارها الإقليمي إلى سورية، حيث يوجد العلويين المنشقين عن المذهب الشيعي، ولبنان، حيث يوجد وبقوة حزب الله، وهو عبارة عن حركة إسلامية شبه عسكرية.
ومما يربك الأقليات بشكل أكبر هو أن رحيل الطغاة في كل من تونس ومصر وليبيا العام الماضي أسفر عن صعود الإسلام السياسي، والمتمثل بصورة رئيسة في ثوب جماعة الإخوان المسلمين التي تعد أقدم الجماعات الإسلامية السنية في العالم العربي وأفضلها تنظيمًا. ويذكر أن الإخوان يشكلون محور المعارضة السورية، حتى إن كان يشكل المتظاهرون الذين يتحدُّون مدافع نظام الأسد قطاعًا عريضًا من مجتمع متنوع للغاية.
وبالنسبة للمسيحيين، يمثل الإسلام السياسي قفزة إلى المجهول. وقال الأسقف بول مطر، رئيس أساقفة موارنة بيروت وهو المذهب الشرقي للكنيسة الكاثوليكية، "عندما يأتي الإسلاميون إلى السلطة، هل سيحملون معهم اتجاهات ترجع إلى القرون الوسطى، أم أنهم سيأتون بعقلية جديدة تقوم على المساواة؟". ولا تقتصر الشكوك على المسيحيين فقط.
ويخشي وليد جنبلاط، زعيم الدروز، وهي طائفة شامية انحدرت منذ ألف عام من المذهب الشيعي للدولة الفاطمية، أن يؤدي الصراع بين السنة والشيعة إلى سحق الأقليات بين الكتلتين. وقال "انتهى الدور السياسي للدروز وكذلك للمسيحيين، وسينصب النظر إلى الأقليات من الآن فصاعدًا على الشيعة" خاصة في لبنان حيث "يسيطر حزب الله على معظم أنحاء البلاد".
وقال فلاح مصطفى، وزير الخارجية في الحكومة الإقليمية لكردستان التي تتمتع بالحكم الذاتي بشمال العراق، إن العراق قد تنحدر مجددًا إلى هاوية المواجهات بين الحكومة التي يترأسها المستبد نوري المالكي، رئيس وزراء إسلامي يترأس ائتلاف شيعي، والأقلية السنية. وقام المالكي في الواقع بالتخلص من طارق الهاشمي، نائب الرئيس السني، وتهميش صالح المطلق، نائب رئيس وزرائه السني، وبذلك حل الوثاق الاتحادي الهش الذي يربط البلاد. وقال مصطفى في هذا الصدد: "لا يمكن للعراق أن يقوم إلا على ثلاثة أركان"، وأصر أن "الأكراد لن يكونوا جزءًا من الحكومة التي تتقاسم السلطة، وتقصي السنة لأننا لا نريد أن نكون طرفًا في الصراع بين السنة والشيعة".
وأدت السياسة الواقعية لهذا الصراع بالمالكي إلى أن يؤيد نظام الأسد، مفضلاً بقاءه على احتمالية صعود الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في سورية، وذلك بعد أن كان يتهم دمشق حتى العام الماضي بأنها تحتضن البعثيين العراقيين السابقين الذين ينوون الإطاحة به. وتجدر الإشارة إلى أن الرأي القائل إن الأقليات معرضة للخطر أكثر من الشيعة يبدو أكثر وضوحًا: التمسك بالأنظمة التي توفر مظلة آمنة أو المخاطرة بصعود الإسلاميين الذين يخشونهم سيؤثر بالسلب في الحريات الدينية. ويبدو ذلك أشبه بابتزاز النظام القديم أكثر منه خيارًا في ظل التحولات المزلزلة التي تحطم بنية القوة في المنطقة.
وفي مصر على سبيل المثال، يبدو أن التوتر بين المسلمين والمسيحيين الأقباط يثيره جزئيًّا أفراد الجهاز الأمني للرئيس المطاح به حسني مبارك بهدف إجبار المواطنين على الاختيار بين النظام القديم والفوضى.
وفي سورية، يشهر نظام الأسد السلاح الطائفي بلا هوادة مستهدفًا الأقليات مثل المسيحيين والدروز تحت شعار "ساندنا لأننا إن سقطنا فإنك ستلقى المصير نفسه على أيدي الأغلبية السنية" التي تصورها على أنها متطرفة. وهذا نظام نشر التسامح الديني في الداخل لأغراض خاصة به، ولكنه أظهر ضعف هذا الوازع باستخدام الطائفية كسلاح في الخارج، ولا سيما في لبنان والعراق.
وقال محمد مطر، محامي لبناني شيعي بارز "كل الأنظمة العربية تضع نفسها في معادلة: إما أن تتمتع معنا بالاستقرار أو الفتنة (الفوضى والانحلال الأخلاقي)، فإن أردت الإطاحة بنا فعليك أن تدفع الثمن وتعاني حربا أهلية". وقال بول سالم من مركز كارنيجي للشرق الأوسط في بيروت: "سيؤثر عدم الاستقرار في مجموعات صغيرة بشكل غير متناسب، ولم يترجم صعود الإسلام السياسي حتى الآن إلى اضطهاد للمسيحيين والأقليات الأخرى بأي حال من الأحوال، فجماعة الإخوان المسلمون ليست القاعدة". كما يعتقد أن المسيحيين في سورية "غير مهددين بشكل مباشر، فالصراع بين السنة والعلويين".
ويكمن لب المسألة من وجهة نظر سمير فرنجية، مفكر يساري وسطي من أسرة مارونية بارزة في لبنان، في أن "هناك محاولة حقيقة الآن للمرة الأولى لتعريف الطريق الإسلامي للديمقراطية، ولكن المسيحيين يختارون الوقوف بجانب الحكام الدكتاتوريين في العالم العربي، فالمسلمون يتحدثون ظاهريًّا بلغة مسيحية، ولكن المسيحيين يرفضون ويقولون إنه تناقض ويشكل خطورة. فلا يمكننا- نحن المسيحيين- أن نقول إننا نريد دولا مدنية في العالم العربي، بينما لا نزال نحافظ على دولة طائفية هنا".
وإذا كانت سورية تعد الآن بمثابة المختبر لمسألة الأقليات، فقد كانت لبنان بؤرة هذه القضية من قبل. ورغم أن الاتفاقية التي أنهت الحرب الأهلية أعادت التوازن في تقسيم السلطة بين المسيحيين والسنة والشيعة، إلا أنها أخفقت في خلق نوع من التوازن بين حقوق الأفراد والتعددية الدينية مما أعاد تكريس النظام الطائفي بدلا من "إفساح المجال لهم للعيش سويًّا" على حد تعبير فرنجية. وأضاف "لقد فشلنا في لبنان في حل المشكلة المتمثلة في كيفية إقامة دولة على أساس المواطنة والتنوع".
وبدلاً من إقامة دولة على أساس حقوق المواطنين ومنح ضمانات لمجتمعاتها، منحت كل الحقوق للمجتمعات في لبنان، ولكن اغتصبها قادتهم المستبدون الذين قد تؤدي مصالحهم إلى مجموعات من الائتلافات الطائفية، ولكنها تميل إلى منع التحالفات الديمقراطية الوطنية بين مختلف الطوائف. ومع احتدام الصراع السني الشيعي في كل أرجاء المنطقة، انقسم المسيحيون اللبنانيون إلى فصيلين أحدهما مع السنة والآخر مع حزب الله الشيعي.
وكما أوضح المطران مطر، فهذا ليس مجرد تأييد لقوى مختلفة مؤكدًا ذلك بقوله: "انقسمت الأقليات في كثير من الأحيان؛ لأن جزءا منهم يصب كل تركيزه على الهوية، بينما يفكر الجزء الآخر بشكل أكبر في كيفية التعايش مع الأغلبية، ولكنك بحاجة إلى أخذ كل منهما في الحسبان، فإننا نواجه عصرا جديد كعرب، وأمامنا فرصة ثانية ويجب على المسيحيين استغلالها، ولكن يجب عليك في الوقت ذاته أن توفر لشعبك الأمن".
ولكن مع تدفق الثورات، ناهيك عن السوابق الدموية في المنطقة، فإن فكرة تكاتف الأقليات معًا تبدو غير ملائمة، بل إنها عفى عليها الزمن، فهي من بقايا الاستعمار الفرنسي والبريطاني الذي استخدم الأقليات لإضعاف الأغلبية. وعلاوة على ذلك، فإن هذه الثورات لم تقم ضد هذا الحاكم المستبد أو ذاك، "بل إنها تنهي أنظمة بأكملها وليس مجرد تغييرها، إنها تنعى كل شيء، يجب أن يغرق جميع القادة مع سفينتهم" وذلك حسبما قال سالم من مركز كارنيجي.
وقال مطر في هذا الصدد معلقًا: "انظروا إلى تجربة حزب البعث الذي حكم العراق في عهد صدام ويحكم سورية في عهد عائلة الأسد، لقد كانا مثالين لدكتاتورية الأقلية قاما بعزل نفسيهما عن الأقليات الأخرى في الوقت الذي يختبئون فيه خلف شعارات القومية العربية، ثم قاما بتدمير النسيج السياسي والاجتماعي لاثنين من المجتمعات التقليدية".
"وتجدر الإشارة إلى أن الضمان النهائي للأقليات هو سيادة القانون الذي يتمثل في الإجراءات القضائية وحقوق المدنيين والأقليات، وأنكم مواطنون تعيشون في دولة تصون تلك الحريات. كما أن فكرة وجود ائتلاف من الأقليات تهزم نفسها بنفسها ما لم تتبنَ القضايا العادلة للأغلبية. وإذا أراد الشيعة البقاء يجب عليهم تبني القضايا العادلة وليس تبني سياسات القوة كما يفعل حزب الله". وبعيدًا عن هذه الحسابات، كشفت الصحوة العربية الجديدة عن آفاق من الأمل. واستطرد مطر قائلاً: "لا يمكنك إغفال عظمة هذه الثورات التي قامت بها الشعوب العربية، إنها لحظة تمكين هائلة، عليك أن تلحق بها، باعتبارها مسألة مبدأ بغض النظر عن أعداد طائفتك أو مجتمعك".
وكان يوم الأحد الماضي شاقًّا على وليد جنبلاط، زعيم الأقلية الدرزية في لبنان، وهو اليوم الذي يستقبل فيه مقدمي الطلبات والالتماسات في "المختارة"، قصر أجداده الذي يخضع لحراسة مشددة في جبال الشوف، حيث قام بدلاً من ذلك بتسوية خلاف بين مجموعة من سائقي سيارات التاكسي الدروز والشيعة. ويذكر أن مضخة الأبرشية للسياسات اللبنانية مستعدة أكثر من أي وقت مضى؛ لأن الـ17 طائفة في البلاد وقادتهم هم الذين يسيطرون على الأمور وليس الدولة أو موظفيها.
ويعلم جنبلاط ماذا يحدث عندما تخرج الخلافات بين الطوائف عن السيطرة. وقال وهو تسيطر عليه حالة من الضجر: "يجب علينا أن نعيش مع الشيعة". ويذكر أن آخر صدام جدي بين الدروز وحزب الله، الذي وقع في آيار (مايو) 2008 عندما اجتاح حزب الله الإسلامي الشيعي الذي يعد دولة داخل الدولة بيروت الغربية، كان عبارة عن رجوع بالذاكرة إلى الحرب الأهلية التي وقعت فيما بين عامي 1975 و1990 التي مزقت التماسك الهش في لبنان، والتي حولت هذا الرجل المثقف إلى أحد أمراء الحرب بالضرورة.
وقاد والد جنبلاط، كمال، التحالف اليساري الإسلامي ضد المسيحيين في المراحل الأولى من هذه الحرب حتى اغتالته سورية في عام 1977. وامتصت الواقعية السياسية للبقاء جنبلاط ليدور في فلك سورية، حيث تردد بين تحالف غير مريح معها ومعارضة شديدة لبشار الأسد.
وبالنسبة لزعيم الدروز، أو أي أقلية أخرى في المشرق العربي، فإن بقاء المجتمع يتطلب مرونة سياسية تمتد إلى ما هو أبعد من اتخاذ المواقف الوسط. وغالبًا ما كان جنبلاط المحور الذي تدور حوله التحالفات المجدية بين مختلف الطوائف. ويذكر أن عداءه للأسد بلغ ذروته في الوقت الراهن، حيث يحاول حشد الدروز السوريين غير الخاضعين لقيادة ما خلف الثورة المستمرة منذ عام ضد النظام. وفي الذكرى الـ35 لاغتيال والده، وضع جنبلاط علم المعارضة السورية على قبره.
وقال جنبلاط إن النظام في سورية، الذي يقوم على الطائفة العلوية بالتحالف مع أقليات أخرى، تخلص من كل القادة الدروز المقبولين تقريبًا و"وقف العديد من الدروز بكل غباء إلى جانب النظام، ولكنني بدأت أشعر أن مناشدتي للدروز السوريين بدأت في التأثير عليهم بعض الشيء، فهم يدركون جيدًا أنهم سيتعين عليهم العيش وسط الأغلبية السنية في حالة سقوط النظام".
ويعتقد جنبلاط أن هذا السقوط لا يبدو وشيكًا، وقال "أخشى أن يبقى فترة طويلة، وهذا سيحصد الكثير من الأرواح"، ويقوي الكراهية الطائفية. وأردف "سيستمر ذلك على غرار ما حدث في لبنان، ونحن نعلم كيف بدأ ذلك وكيف انتهى".
