درست الاحسان و انا طفل صغير في الابتدائية ، و مازلت أحفظ تعريفه الذي يقول :"الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فان لم تكن تراه فانه يراك" ، لكنني لم أعرف معناه الحقيقي في وقتها ، و مازلت أتدرج في فهمي لهذا المعنى العميق ، و تتغير حياتي و تتطور شخصيتي وفقا لدرجة فهمي له و تطبيقي له.
هنا في بريطانيا تجد حالة غريبة تقرب لك معنى الاحسان – ولله المثل الأعلى - من باب التقريب و ليس التشبيه و التمثيل ،و تتمثل تلك الحالة في المراقبة بالكاميرات و شهود العيان في كل مكان ، مما يجعلك تحسب حساب أعمالك الظاهرة حتى و ان كنت بعيدا عن أعين البوليس او الناس العاديين ، فلربما ترصدت بك كميرة هنا أو هناك و هذا له أبلغ الاثر في تصرفات الناس –هنا و ليس هناك- ، و لذلك تجد التحذيرات الامنية للناس من السير في الشوارع الغير منارة ليلا ، او في اوقات متاخرة من اليوم لان عين الرقيب الدنيوي غائبة هناك!
الكميرات كثيرة جدا ، و بطبيعة الحال ليست كلها تعمل ، و هناك من يتساءل عن من يراقب او ان كانت هذه الكميرة متعطلة او قديمة غير دقيقة ، لكن من لديه الاستعداد أن يغامر بارتكاب الخطأ و هناك من يراقب ، و النتيجة اما اعتراف بالخطأ او انكار تثبت فيه تهمة الكذب عليك فتتضاعف المخالفة لانك بين قوم "يثقون" لكن الكذب لديهم هو أم الخبائث و أبو المنكرات!
نتيجة هذه الرقابة أن الناس يتقيدون بالنظام لكن سؤال المليون دولار: هل هذه الرقابة تجعلهم خائفين متوجسين ، و في حياتهم وجلين ؟
و أنت تعلم حالة الارتباك ان كان هناك من يتربص بك ، و يحسب عليك أخطاءك ، و لديه من الدلائل ما يستطيع ان يتعدى به على خصوصيتك ، و لربما شهر بك ، و اصبحت سيرتك على كل لسان خاصة مع "اعلام حر" قوي لا يرحم؟
الجواب : كلا !
بل أنت تشعر في هذا الجو بالراحة و الطمأنينة لسببين:
أولا :ان المثل القائل "امش عدل يحتار عدوك فيك" مطبق بامتياز ، و مادمت تسير بجانب الحيط فتأكد انه سيحميك بظله و لن يقع عليك.
و ستجد الكثير من اللافتات التي تذكرك بما هو ممنوع و ما جزاء المخالفة ، و العجيب ان كل كاميرة مراقبة على الطريق يسبقك قبلها تنبيه يقول : "انتبه امامك كاميرا ترصد السرعة" ، لأن الهدف هو التوعية و التطبيق لا التحصيل ، و لسان حالهم يقول: "ما قلت لك!"، و العجيب انك ربما تخالف فيكون جزاؤك ان تحضر دورة توعوية ، أو ينصح لك بعلاج نفسي لاكتشاف سر حبك لارتكاب الخطأ او الاصرار عليه!
ثانيا : هناك سنة كونية مطبقة هنا تلتقفك من حالة الهلع من الرقيب ألا و هي "العدل"!!!
فحقك الانساني قبل القانوني محفوظ يا ولدي و كرامتك مصانة ، حتى و ان ارتكبت الخطأ عامدا او من غير قصد ، و هذا مكفول حتى لأعتى المجرمين فما بالك بانسان صالح مثلك عزيزي القاريء الكريم.
العدل هو أكبر من ان تصفه كلماتي او تعبر عنه مفرداتي لأنه روح المجتمع مهما أكثرنا في الخطب و النصائح أو تشدقنا بالكلام المعسول، العدل ياسادة ليس كلاما يقال بل هو فعل و بناء ، هو الحصن و هو الدرع الذي يحمي الصدور ، حتى و ان اتفقنا انه عدل انساني و هنا يكمن الفرق و يبدأ الخلاف ، لأن العدل ينطلق من مباديء و احكام تختلف باختلاف المصادر و هذا نصف الحقيقة و مصدر الخلاف بين الأمم لكن النصف الاخر الملموس هو في تطبيق ما اتفق عليه على الجميع "دون استثناء او مزاجية او تراخ او تأويل" و هذا هو ما قصدته بوصفي للعدل مع تحفظي على القانون الفلاني او العلاني لاختلافي معه في القيم او الدين لكن هذه بلادهم و نحن غرباء و يا غريب كن أديب ، و الله يرعاكم!

