FINANCIAL TIMES

طموح فردي يعيد العراق إلى الاستبداد السياسي

تقول زكية آل مازوري: إنها كانت تحقق في قضية فساد رسمي في آذار (مارس) الماضي في مدينة العمارة، جنوب العراق، عندما تلقت مكالمة تحذرها من أن ثلاثة رجال كانوا يبحثون عنها في الفندق الذي تقيم فيه. وحاولت الصحفية الكردية الفرار من المدينة مع أطفالها الثلاثة، ولكن تم القبض عليها عند نقطة تفتيش تابعة للجيش بتهمة توزيع الدعاية المناهضة للحكومة وتزييف النقود. وتبع ذلك العديد من المكالمات الهاتفية بعد عدة ساعات، ليتم إطلاق سراحها بعد ذلك- قبل أن تُعتقل بعد ساعة واحدة فقط عند نقطة تفتيش ثانية. وقد تم الحكم عليها بالسجن مدة أربعة أشهر في عهد صدام حسين، ولذا نشأت السيدة مازوري وهي معتادة الاضطهاد في عملها. ولكنها ترى الآن أن هذا الاضطهاد آخذ في الارتفاع مرة أخرى تحت إدارة نوري المالكي، الإسلامي المنشق الذي يقضي الآن فترة ولايته الثانية رئيسا للوزراء. وتقول في مقابلة مع مكتب بغداد لمرصد الحريات الصحفية "هذه الحكومة التي جاءت الآن ليست أفضل من النظام القديم. ليست هناك ديمقراطية حقيقية". ولقد أصبح هذا أعلى صوتًا للامتناع من أي وقت مضى؛ لأن العراق يسعى إلى فرض نفسه على أنه دولة مستقلة، والتي تخلصت أخيرا من أكثر من 40 عاما من الديكتاتورية والاحتلال العسكري الأمريكي الذي استمر نحو تسع سنوات. ومنذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية في كانون الأول (ديسمبر)، حاول العراق أن يصور نفسه للعالم، على حد تعبير وزير الخارجية هوشيار زيباري، باعتبارها دولة "طبيعية" مرة أخرى. وفي آذار (مارس) استضافت العراق قمة جامعة الدول العربية للمرة الأولى منذ غزو صدام حسين للكويت في عام 1990. وفي هذا الشهر، سوف تجتمع القوى الدولية في بغداد لإجراء جولة ثانية من المحادثات حول البرنامج النووي الإيراني. وحتى مع ارتفاع مكانتها العالمية، إلا أن العراق تبحث داخليًا عن التوافق السياسي الذي لا يزال معقدًا حتى الآن. إن التوتر بين الحكومة التي تهيمن عليها الأغلبية الشيعية والأقلية السنية، التي كانت تتولى الحكم في عهد صدام حسين، آخذ في الارتفاع مرة أخرى؛ لأن رئيس الوزراء العراقي يوسع في قاعدة سلطته. ولم يكن من المتوقع أن التحول السياسي، الذي آثاره الغزو الأمريكي وليس اندلاع ثورة شعبية، أن يحقق وعود الولايات المتحدة بحلم نشر الديمقراطية في جميع أنحاء المنطقة. إن استقرار العراق الآن هو أكثر أهمية من أي وقت مضى، في المنطقة التي تعاني تداعيات الربيع العربي والنزاع العسكري الدائر الآن على نحو متزايد، وتهديد إسرائيل بمهاجمة المنشآت النووية في إيران ودول شمال إفريقيا التي تكافح مع التحولات السياسية الهشة الخاصة بهم. ويقول المالكي: إن العراق اليوم هو أكثر حرية بكثير مما كان عليه في عهد صدام حسين، كما أنه يشكل قوة مسؤولة وموثوق بها في المنطقة. وفي مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما قبيل انسحاب القوات الأمريكية، قال المالكي: "إن العراق لديه عملية سياسية راسخة، وهي عملية ديمقراطية، ويتبنى مبادئ الانتخابات والتداول السلمي للسلطة. وأضاف "أن العراق يتابع السياسة الخارجية التي لا تتدخل في شؤون الآخرين، ولا تسمح للآخرين بالتدخل في شؤون العراق الخاصة". ومع ذلك، يقول العديد من المحللين: إن - في مواجهة معارضة منقسمة ولا تملك الكفاءة في بعض الأحيان - السيد المالكي مشغول بمركزية السلطة في البلاد إلى درجة أنه بدأ يقارن بين الوضع الحالي والوضع في عهد صدام حسين. ويقول منتقدوه، بما في ذلك بعض أعضاء حكومته الائتلافية، لقد تحقق ذلك من خلال مناورة سياسية بارعة، وهي عبارة عن استخدام قوة الوساطة، والقانون للتضييق على المعارضيين. إن كتلة دولة القانون التابعة للسيد المالكي في البرلمان لديها أقل من ثلث مقاعد البرلمان، إلا أن المالكي يعد هو القائد العام للقوات المسلحة، ويسيطر على وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، ولذا يقول المعارضون: إن هذا يتعارض مع الاتفاق الذي تم قبيل تشكيل حكومته في أواخر عام 2010. وفي مدينة طوز خورماتو شمال بغداد، توجد لوحة على جانب الطريق تعرض الآن صورة عملاقة للمالكي على قدم المساواة مع صورة الإمام الحسين، واحدة من أكثر الرموز قدسية في المذهب الشيعي. ويقول أحد العراقيين المهنيين "عندما نرى الصور [مثل هذه في الشوارع، وعند التقاطعات وفي دوائر المرور، نتذكر صدام حسين مرة ثانيةً". وتقول ميسون الدملوجي، عضو البرلمان المتحدثة باسم كتلة العراقية المعارضة عن رئيس الوزراء: "إنه يسيطر على الميزانية، وعلى الجيش والأمن الداخلي والدفاع والاستخبارات. وعلى السلطات القضائية، وعلى وسائل الإعلام، وقام بخرق الدستور عدة مرات. فماذا يمكن أن تسميه، إن لم يكن ديكتاتورًا؟". ويقول محللون: إن الطائفية آخذة في النمو في ظل الحكومة التي يقودها رجل شيعي وهو السيد المالكي، إضافة إلى مطاردة كبار الشخصيات السنية عن طريق الاعتقالات الضخمة لهم، بزعم أن لهم علاقة بحزب البعث التابع لصدام حسين. وتعادي السلطات في كردستان المتمتعة بحكم شبه ذاتي بشكل متزايد الإدارة العراقية، وأعلنت الشهر الماضي أنها ستمتنع عن حصتها الصغيرة من صادرات النفط الذي يهيمن على الاقتصاد. وخلال الأسابيع الأخيرة فإن القائمة العراقية - التي حصلت على عدد مقاعد أكبر من مقاعد كتلة المالكي في انتخابات 2010 – وغيرها من المعارضين قد كثفوا جهودهم لمواجهة السلطة المتزايدة لرئيس الوزراء. وفي يوم السبت، نشر أربعة زعماء سياسيين كبار- بما فيهم إياد علاوي من القائمة العراقية ومقتدى الصدر، رجل الدين المتشدد الذي يرأس الحزب الشيعي المتحالف مع رئيس الوزراء- خطابا في صحيفة حكومية يهدد بشن تصويت بحجب الثقة في الحكومة ما لم توقف "الاستبدادية في عملية صنع القرار". ويقول رايدر فيسر من المعهد النرويجي للشؤون الدولية: إن السيد الصدر هو المفتاح الرئيسي لقدرة المالكي على الاستمرار في الحكم بشكل آمن وموثوق به من خلال "تقاسم السلطة الاسمية والفعلية في حكومة أقلية". وتساءل في إحدى كتاباته على الشبكة العنكبوتية التي تم نشرها في أواخر الشهر الماضي: "طالما أن أعداءه غير قادرين على الاجتماع على إقالته، فلماذا يفعل المالكي أي شيء آخر؟". ونظريًا، فإن العراق الحرة تعني أن تكون دولة ديمقراطية نابضة بالحياة، تمتلك حكومة تعبر عن كل الأطياف، وهذا سوف يضعها في موضع حسد من الكثيرين في المنطقة التي تئن بالاحتجاجات ضد الأنظمة القمعية. إن الرئيس العراقي جلال طالباني كردي، نائبه طارق الهاشمي، سني، وكذلك الحال بالنسبة لصالح المطلق، نائب رئيس مجلس الوزراء. وتم إلقاء الهيكل المتوازن بعناية في العراق في حالة من الفوضى، وذلك عشية رحيل القوات الأمريكية، حيث حاصرت الدبابات مساكن السيد الهاشمي، والسيد المطلق، والسيد رافع العيساوي، وزير المالية وأحد القيادات السنية الأخرى. وبعد مرور أيام بعد ذلك، اعتقلت وزارة الداخلية العديد من حراس السيد الهاشمي، الذي صدر أمر بالقبض عليه بتهمة الإرهاب، الشخصيين، بزعم أنه كان على صلة بمجموعات الموت السنية التي قتلت كثيرا من الشيعة خلال الصراع الطائفي الدموي في البلاد والذي بلغ ذروته في 2006-2008. وقام السيد الهاشمي، الذي اتهم المالكي بتدبير التهم في البلاد، بالهرب من البلاد، وانتهي به المطاف في تركيا. وصعدت الحكومة الشهر الماضي من الضغوط عليه عندما اتهمته بأنه كان وراء مقتل ستة قضاة. إن الشيء المركزي لهذه الدراما التي تتكشف يومًا بعد يوم هي شخصية ونوايا المالكي. فهو حفيد أحد رؤساء الوزراء الذين خدموا تحت الحكم الملكي في العراق سابقًا وتم نفيه من قبل صدام حسين، حيث قضى عشرات السنين في طهران ودمشق – حيث كان يقوم بتحرير إحدى صحف المعارضة. وفي مقال مفصل نشر في آذار (مارس) قال توبي دودج من كلية لندن للاقتصاد إن رئيس الوزراء قد "ثبت أنه ماهر للغاية إذ كان مطبقا للسياسة المكيافيلية. وعلى الرغم من فشله في الفوز في الانتخابات الوطنية في آذار (مارس) 2010، فقد قضى عشرة أشهر في مناورة غير بارعة مع القائمة العراقية للإبقاء على منصب رئاسة الوزراء، دون فرض قيود ذات مغزى على سلطته". ويضيف السيد دودج أنه منذ أن أصبح المالكي رئيسا للوزراء في عام 2006 (أحد أول واجباته كان التوقيع على مذكرة إعدام صدام)، فقد "ركز طاقاته على كسب السيطرة الكاملة على الأجهزة الأمنية". فقد تولى الإشراف على القوات الخاصة، وقام بإحضار وكالات أمن إقليمي في إطار التوجيه المركزي، وأنشأ مؤسسة جديدة لمكتب القائد الأعلى، من خلالها قام بتعيين كبار الضباط العسكريين وإسناد الوظائف الاستخباراتية للأشخاص الموالين له شخصيا. وعندما رحلت القوات الأمريكية فإن ذلك أعطى له فرصة للتحرك ضد خصومه السياسيين، وقد نجح في القيام بذلك تمامًا. وقد تم تعزيز سلطة المالكي عن طريق الدعم الإضافي الذي تلقاه من الولايات المتحدة، الذي قد لا يكون له صلة طبيعية بأحد السياسين الشيعة الذي يتمتع بصلات جيدة مع إيران، ولكن المخاوف من أن البدائل يمكن أن تكون أسوأ- وأقل من الناحية العملية. وتعتقد واشنطن أيضا أن رغبته في تدعيم سلطته يعني أنه يريد الحفاظ على درجة من الاستقلال عن الجميع، بما في ذلك طهران. وسُلط الضوء على الدعم المستمر من الولايات المتحدة عندما أجرى الرئيس أوباما مكالمة هاتفية مطمئنة مع المالكي قبيل زيارته إلى البيت الأبيض الشهر الماضي من جانب واحد من الخصوم الرئيسين لرئيس الوزراء- مسعود بارزاني، زعيم كردستان العراق. ويشير تقرير البيت الأبيض الخاص بتصديق الرئيس على مشاركة السيد المالكي المتوقعة في المحادثات التي تأخرت كثيرًا لعقد المصالحة بين الجماعات السياسية المتناحرة في العراق إلى عدم رغبة الولايات المتحدة في التعددية في العراق- الذي من المفترض أن يكون أحد الأركان الأساسية للنظام السياسي التي تم وضعها خلال الاحتلال العسكري. ويقول أحد الدبلوماسيين الغربيين: "إن المالكي لديه بعض النزعات الاستبدادية. ولكن من هو البديل؟". ويقول أنصار المالكي إنه من العبث وغير العدل تصويره على أنه طاغية. ويقول صادق الركابي، وهو نائب شيعي مقرب لرئيس الوزراء، إن هناك العديد من الشيكات والأرصدة. وهناك حاجة لموافقة البرلمان على تعيين مستشارين؛ ولذا يُتطلب من مجلس الوزراء تسمية رؤساء الوكالات التابعة للدولة. ويقول الركابي "إن السلطة في البلاد يتم توزيعها بين البرلمان والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية". ويضيف "يمتلك رئيس الوزراء العراقي سلطة أقل من رئيس وزراء بلادك [بريطانيا". إن السيد المالكي الذي لا يملك القيادة الكاملة في العراق هو بعيد عن المناورات السياسية التي تحاك من منافسيه، الذين يمتلكون السلطة للإطاحة به بموجب الدستور الذي ساعد المالكي في صياغته في عام 2005. لكن بعيدا عن الحسابات البرلمانية، يقول منتقدوه إن رئيس الوزراء قام بعمل فعال للسيطرة على مؤسسات الدولة، بالطريقة نفسها التي كان يقوم بها حزب البعث لتيسير الحكم الشمولي في عهد صدام. وتضيف السيدة مازوري "إننا حققنا النصر ضد صدام حسين وحزب البعث. ولكن هناك حزب بعث آخر يعود من جديد". تسليط الضوء على علاقات رئيس الوزراء بإيران ألقت زيارة نوري المالكي، رئيس وزراء العراق إلى إيران الشهر الماضي، مزيدا من الضوء على مسألة سياسية مهمة تلوح في الأفق: ما هي درجة الصلة التي تربطه بحكومة طهران، المدينة التي عاش فيها عندما كان في المنفى؟ والتقى رئيس الوزراء خلال الزيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وغيره من كبار المسؤولين الإيرانيين - وكان هناك لقاء آخر أقل رسمية، ولكنه محير مع محمود شهرودي، وهو رجل دين من أصل عراقي. ويلاحظ أنه وسيط السلطة الإيرانية. ونظرًا لاستعداد بغداد لاستضافة اجتماع للقوى الدولية بشأن برنامج إيران النووي في 23 (مايو)، يقول مراقبون إن السيد المالكي يسير في مسار دقيق في محاولة للحفاظ على درجة من الحكم الذاتي بعيدا عن دولة الجوار التي تقع في الشرق والتي يتم الاقتراب منها بطبيعة الحال سواء بسبب الحاجة السياسية أوالقرابة الدينية. ويقول محللون إن المالكي - وهو مسلم شيعي، مثل قادة إيران - يميل غريزيا نحو إيران، ويدين لها للمساعدة على التوسط في الدعم الحاسم المقدم لإدارة ائتلافه من قبل مقتدى الصدر، رجل الدين الذي يقود ثالث أكبر حزب شريك في البرلمان العراقي. وتم إبراز التعاون بين البلدين على المستوى الحكومي من خلال وضع خطط تم الإعلان عنها في العام الماضي لبناء خط أنابيب الغاز الإقليمية التي من شأنها أن تربط إيران بسوريا عبر العراق. ويقوم الشيعة العراقيون والإيرانيون بالحج إلى الأماكن المقدسة في كلا البلدين- على الرغم من تعقيد هذه العلاقات الروحية العقائدية، والاختلافات الثقافية والقومية. ووضع السيد المالكي نفسه التزاما خاصا به– يهدف إلى ربط الجهود التي يبذلها لتعزيز قبضته على السلطة المحلية – إضافة إلى اتباع سياسة خارجية مستقلة، بما في ذلك الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة. وأشرف السيد المالكي على الزيارة التاريخية التي قام بها أمير دولة الكويت إلى العراق في آذار (مارس) الماضي – وهي أول زيارة من نوعها منذ غزو صدام حسين للكويت في عام 1990- وذلك على الرغم من أن بقية ممالك وإمارات الخليج لا تزال متشككة في نيات رئيس الوزراء العراقي.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES