Author

اتجاهات النمو في الاقتصاد السعودي: الدين العام

|
تعرفنا في الحلقتين الماضيتين من هذه السلسلة على اتجاهات الإيرادات العامة والإنفاق العام في المملكة، ولاحظنا التقلب الشديد في هيكل الإيرادات العامة للمملكة نتيجة الاعتماد المفرط على إيرادات النفط الخام، وعدم الأخذ في الاعتبار تنويع مصادر الإيرادات العامة للدولة لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار فيها. كذلك لاحظنا أن تقلب الإيرادات العامة يؤدي أيضا إلى تقلب الإنفاق العام، بصفة خاصة الإنفاق الاستثماري الذي يفترض أن يكون أهم بنود الإنفاق الحكومي العام. هذه الخصائص الهيكلية في المالية العامة تتضح بصورة أكبر عندما ننظر إلى نتيجة الميزانية العامة من فائض أو عجز. الشكل رقم (1) يوضح نسبة الفائض والعجز في الميزانية العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، خلال الفترة من 1970 إلى 2011. من الشكل يتضح ارتفاع درجة تقلب العجز والفائض إلى الناتج المحلي الإجمالي بصورة واضحة وفقا لاتجاهات أسعار النفط الخام، ففي الفترات التي كانت فيها أسعار النفط مرتفعة فإن الميزانية العامة تحقق فوائض تعتمد على معدل الارتفاع في سعر النفط، فقد بلغ فائض الميزانية أعلى مستوياته كنسبة من الناتج في عامي 1973 و1974، وكذلك في عام 2008، حيث بلغ سعر النفط الخام مستويات تاريخية قبل انطلاق الأزمة المالية العالمية، من ناحية أخرى، عندما تميل أسعار النفط نحو التراجع تتحول الميزانية العامة من حالة الفائض إلى حالة العجز وبصورة سريعة جدا، على سبيل المثال في عام 2008 حققت الميزانية العامة فائضا ضخما بسبب المستويات التاريخية التي بلغها سعر النفط في هذا العام، غير أن تراجع سعر النفط في 2009 بسبب الأزمة المالية العالمية تحول هذا الفائض الكبير إلى عجز، ومما لا شك فيه أنه رغم متانة الوضع المالي للمملكة حاليا فإن هذه التطورات تعكس مدى هشاشة وضع الميزانية العامة، على الرغم من الفوائض الكبيرة التي يمكن أن تتحقق في أوقات ارتفاع أسعار النفط، طالما أن الميزانية العامة في النهاية تعتمد على تلك التطورات. واقع الحال يشير إلى أنه على الرغم من متانة الوضع المالي للمملكة، فإن ذلك لم يمنع من حدوث ظاهرة في غاية الخطورة في اقتصاد نفطي وهي تراكم الدين العام إلى مستويات تعد بين الأعلى في العالم على الإطلاق. ففي بداية التسعينيات من القرن الماضي لم تتجاوز نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي نسبة 48 في المائة وذلك في عام 1991. ثم أخذت هذه النسبة في التصاعد على نحو مستمر حتى تجاوزت حاجز الـ 60 في المائة في عام 1993، والتي تعد الحد الخطر بالنسبة للدين العام. ثم استمر الدين العام في التزايد حتى بلغ نسبة 109 في المائة تقريبا من الناتج في عام 1998، وهو من أعلى المعدلات المسجلة في العالم في هذا العام. ظلت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي عند مستويات مقلقة حتى عام 2004، حيث تمكنت المملكة من إطفاء كمية هائلة من الدين العام في غضون فترة زمنية قياسية، بالطبع نتيجة عودة أسعار النفط نحو الارتفاع في بداية الألفية الثالثة، مما مكن الحكومة من تحقيق فوائض مالية مكنتها من تخفيض الدين العام القائم، وبدءا من عام 2005 أخذت عمليات إطفاء الدين العام في التسارع لدرجة أنه في عام 2011 لم تزد نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي عن 7 في المائة تقريبا، وهي من أقل المستويات عالميا حاليا. أن تتحول دولة في العالم من صاحبة أعلى معدل للدين العام إلى الناتج إلى صاحبة أقل معدل للدين العام إلى الناتج في غضون فترة زمنية قصيرة لا تزيد على عقد من الزمن، فهذا أمر نادر الحدوث في عالم اليوم. ذلك أنه في ظل هياكل الإيرادات التقليدية القائمة على إيرادات الضرائب بصفة أساسية، من الممكن أن يتطلب حدوث هذا الأمر عشرات السنوات حتى تتمكن الحكومة من تخفيض نسبة دينها العام إلى الناتج إلى هذه المستويات المتناهية في الصغر. غير أن انتهاء تهديد الدين العام في المملكة حاليا لا يعني أن الدين العام غير قابل للعودة إلى مستوياته السابقة، فمن الواضح أنه إذا ما حققت المملكة عجزا في ماليتها لعدة سنوات فإن ذلك سيترتب عليه عودة الدين العام مرة أخرى. لا شك أن مخاطر تصاعد نسبة الدين العام إلى الناتج متعددة، والدليل على ذلك ما تعانيه بعض الدول المدينة حاليا من تهديد بإعلان إفلاسها بسبب ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج وانخفاض قدرة تلك الدول على خدمة هذا الدين. إن هذا الوضع الحساس للميزانية العامة للدولة يقتضي من صانع السياسة المالية في المملكة أن يأخذ في الاعتبار العوامل الآتية: ـــــ أن تكون عملية إقرار أي زيادة في الإنفاق الجاري للدولة مخططة على نحو جيد، حيث ينبغي أن يدرس أثر هذه الزيادات في الإنفاق على قدرة الميزانية على المدى الطويل على استيفاء متطلبات تلك الزيادات خصوصا أن الإيرادات المتوقعة لتمويل هذا الإنفاق تتسم بالتقلب، بينما نجد أن الإنفاق الجاري الذي تقوم به الدولة سيتسم بالاستدامة متى ما تم إقراره. ـــــ إن الدولة لا بد أن تبحث بجدية عن مصادر بديلة للإيرادات النفطية تتسم بقدر أكبر من الاستقرار النسبي، وعلى النحو الذي لا يؤثر سلبا في الخدمات العامة التي تؤديها الدولة للمقيمين يوميا، وحيث تتسع قاعدة مصادر الإيرادات العامة للدولة بما يساعد على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في المالية العامة للدولة. - إن الدولة ينبغي أن تبحث بجدية إعادة رسم الدور الذي تقوم به في النشاط الاقتصادي، حيث تقلص من ذلك الدور بصورة كبيرة وتفسح المجال بشكل أكبر للقطاع القطاع الخاص لأن يلعب دورا أكبر في عملية إنتاج وتقديم السلع والخدمات العامة، حتى تتمكن من السيطرة على إنفاقها العام. ـــــ إن الحكومة ينبغي أن تقوم بمراجعة شاملة للنفقات المخصصة للدعم بأشكاله كافة، والذي يستهلك جانبا كبيرا من الإنفاق العام حاليا، حيث لا يحقق الهيكل الأساسي للدعم الحالي ولا طريقة توزيعه الأهداف الأساسية التي تسعى الدولة إلى تحقيقها من الدعم كسياسة لرفع مستويات الرفاه للفرد، حيث يقدم الدعم في معظم أشكاله لجميع المستهلكين بغض النظر عن مستويات دخولهم أو درجة استحقاقهم للدعم المقدم من قبل الدولة، وهو ما يخل بمبدأ العدالة في توزيع الإنفاق على الدعم بين مختلف الفئات الدخيلة في المجتمع. ـــــ إن الحكومة لا بد أن تعمل على رفع كفاءة الدولة في إدارة الإنفاق العام والحرص على رفع كفاءة الإدارة المالية للدولة في ترشيد ذلك الإنفاق ووضع معايير أكثر صرامة في مراقبة أوجه الهدر المختلفة في الإنفاق والعمل على الحد منها.
إنشرها