الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

بينما تستمر الصحوة العربية، كان جلياً أن انتخابات اليمن، أمس الأول، ليست كما في تونس أو حتى مصر. فالأمر ليس فقط أن عبد ربه منصور هادي كان المرشح الوحيد فيها، بل هو مرتبطٌ بشكلٍ وثيقٍ بالنظام القديم الذي عمل فيه نائباً للرئيس علي عبد الله صالح ـ قائد البلاد على مدى 33 عاماً.

ولا يزال لصالح نفسه حضورٌ كبيرٌ، وإن كان من على البُعد، إذ شُوهد وهو يحرّك فمه في مواجهة محتجين خارج فندق ريتز – كارلتون في نيويورك التي سافر إليها من أجل العلاج.

مع ذلك، الظروف التي تجعل من الانتخابات اليمنية إجراءً شكليا، تكشف أيضا عن أنها محكٌ مهمٌ في الصحوة العربية، مثلها مثل الانتفاضات، أو الحروب، أو الانتخابات في أماكن أخرى من بلاد الربيع العربي.

وبالنسبة إلى اليمن – أفقر بلاد العالم العربي وإحدى أكثرها انقساماً اجتماعياً – السؤال الكبير هو ما إذا كان صالح سيصبح الزعيم الأول الذي يتنحى عن السلطة ويبرز مرة أخرى قوة سياسية. إذا استطاع ذلك ربما تكون هناك دروسٌ لحكام مستبدين آخرين في الشرق الأوسط، وكذلك للشعوب والقوى الأجنبية التي تحاول التخلص منهم.

إن تسلُّم هادي للسلطة يمثل المرحلة الأخيرة في عملية انتقال متأخرة للغاية، بدأت في تشرين الثاني (نوفمبر) حين وقّع صالح أخيراً، على اتفاقية تقضي بتنحيه بعد ثمانية أشهر من الاحتجاجات، اقترب خلالها اليمن من حرب أهلية. ثم ترك منصبه وسافر في كانون الثاني (يناير) للعلاج من إصابات لحقت به في انفجار غامض في حزيران (يونيو) في قصره في صنعاء، مقابل حصانة من الملاحقة القضائية له ولحلفائه.

ولا يتوقع أحد أن يكون هادي عنصر تغيير ثوري. فهو جنرال برز في الصراعات المدنية التي ضربت شمال اليمن وجنوبه، بعد إخراج المستعمرين البريطانيين عام 1967. وعيّنه صالح نائباً له عام 1994 وظل منذ ذلك الحين شخصية تعمل في الظل، مع ظهور علني قليل.

وبين يدَيْ هادي الآن بلدٌ يبدو – كما كان دائماً – على شفا انهيار اقتصادي واجتماعي. وهناك علي محسن، الجنرال المنشق، وحميد الأحمر، رجل الأعمال والزعيم القبلي. وهما زعيمان قويان لأجنحة في اليمن، اكتسبا جرأة نتيجة حربهما ضدّ صالح.

وهناك أيضا حركة انفصالية جنوبي البلاد، بينما استفاد مقاتلو "القاعدة" من فوضى العام الماضي وسيطروا على بعض المناطق. والاقتصاد الذي لم يكن سليماً في يوم ما، أصيب بمزيد من التدهور بسبب النزاع وإضراب عمال النفط، بينما حذّرت اليونسيف من أن نصف مليون طفل يمكن أن يموتوا من سوء التغذية هذا العام.

لقد جعل التناقض بين الزعيم اليمني الهادئ وبلده المليء بالضجيج، بعضهم يتساءل عمّا إذا كان المستفيد النهائي من العملية الانتقالية هو الرجل الذي صُممت الثورة للتخلص منه.

إن قدرة صالح على استغلال المراحل، التي روّجت لها أجهزته الدعائية، أسطورية. ففي البدء تم تأجيل نعي حكمه الذي تمت كتابته قبل نحو عام، ثم وضع على الرف إلى ما لا نهاية، بينما تمسّك هو بالمنصب حتى توصل إلى صفقة.

والأهم من ذلك هو أن صالح استطاع ترتيب مغادرة دون هدم عائلته ونظامه، أو حزبه الحاكم. ولم يكن من نصيبه الفِرار المذل لزين العابدين بن علي في تونس، ولا المحاكمة المهينة لحسني مبارك في مصر، ولا الموت العنيف للعقيد معمر القذافي في ليبيا. وإضافة إلى الحصول على الحصانة من الملاحقة القانونية، ضمن بقاء حلفائه الحيويين في السلطة، خصوصا في أجهزة الأمن – حيث يقود ابنه، أحمد، الحرس الجمهوري النخبوي.

إن لغة الجسد لدى صالح – من ابتساماته وهو يوقع على اتفاقية نقل السلطة في تشرين الثاني (نوفمبر) إلى تعامله الودود مع أولئك الذين يتظاهرون في الولايات المتحدة – هي إما أن تكون خاصة برجل يشعر بأنه بعيدٌ للغاية عن الهزيمة، أو أنه يبلي بلاءً حسناً في إخفائها. وثمة وجهة نظر متشككة تقول إن الزعيم السابق يظهر كل الإشارات على الإعداد للعودة، سواء بصورة علنية، أو بطريقة غير مباشرة من خلال وكلائه.

ورغم شكلية اقتراع الثلاثاء، ربما تثبت انتخابات اليمن أنها علامة فارقة أكثر منها مجرد إشارة عابرة، حتى بمعايير هذه الأوقات الاستثنائية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية