من الشركة المتعَبة، ''ريسيرتش إن موشن''، التي تصنع أجهزة بلاكبيري، إلى القوة المتراجِعة على الإنترنت لشركة ياهو، وإفلاس شركة إيستمان كوداك، فإن عناوين الأخبار الرئيسة في عالم الأعمال لهذا العام تروي لنا قصة مألوفة: وهي أن حظوظ قوى التقنية التي كانت مهيمنة في السابق يمكن أن تتراجع بصورة حادة توهن العزيمة.
التحولات المثيرة للاضطراب في منصات التقنية ونماذج الأعمال أصبحت حقيقة كريهة من حقائق الحياة بالنسبة لشركات التقنية ومساهميها على سواء. وفي الوقت الذي تستعد فيه شركة فيس بوك لتقديم طلبها إلى الجهات التنظيمية في وقت مبكر يمكن أن يكون خلال الأسبوع الحالي، بهدف الدخول في المعاملات التي تؤدي إلى طرح أسهمها في اكتتاب عام أولي، فإن أحدث موجة من المتاعب هي تذكرة رصينة بأن عمر الشركة التي تبدو في ظاهرها قوية ومتمرسة في موقعها هو أبعد ما يكون عن كونه مضموناً.
مع ذلك فإن دورات الحياة القصيرة لقوى التقنية ليست أمراً محتوماً. فكما يتبين لنا من شركات مختلفة فيما بينها مثل شركة أبل وشركة آي بي إم، من الممكن أن تعود الشركة إلى الحياة بعد أن تكون قد شارفت على حافة الإهمال وقلة الأهمية. كذلك فإن شركة مايكروسوفت، التي طالما كان يستهين بها المراقبون باعتبارها من مخلفات عصر الكمبيوتر الشخصي، مشغولة منذ فترة بوضع الأسس التي تهدف إلى إعادة رسم طبيعة أعمالها بصورة أرحب، رغم أن نجاحها في هذا المجال لا يزال في طي الغيب.
وبالنظر إلى طبيعة التحولات السريعة التي تستطيع أن تصيب شركات التقنية، فإن انتباه شركة ما إلى الخطر هو أول وأهم صفة تحتاج إليها الشركة من أجل البقاء. وهذا يجعل شركة ريسيرتش إن موشن، التي كانت في السابق تحتل موقعاً مريحاً في دورها كشركة رائدة في مجال البريد الإلكتروني عبر الهاتف الجوال، يجعلها المثال الأول من الشركات التي تعيش في حالة إنكار.
حين سئل زعماء شركة بلاكبيري الكندية عن الخطر الذي يتهدد الشركة نتيجة لإطلاق جهاز آي فون من شركة أبل، استهانوا بأي خطر، كما تشير ريتا ماكجراث، وهي أستاذة مشاركة في كلية إدارة الأعمال في جامعة كولومبيا. وبحلول الوقت الذي أدرك فيه هؤلاء المسؤولون أن هناك حاجة إلى إدخال تغييرات شاملة في قائمة تجهيز منتجات الشركة – وهو موقف اضطرهم في النهاية إلى الدخول في عملية استحواذ بهدف شراء منصة برامج جديدة مناسبة للهاتف الجوال – كان الأوان قد فات.
اصطدمت شركة ريسيرتش إن موشن ببعض أكبر القوى التي تعمل على تشكيل أسواق التقنية. أحد هذه القوى هو تحول منتجات تقنية المعلومات إلى أن تصبح ''سلعاً استهلاكية''، وهو ما أدى إلى تحويل أجزاء من أعمال تقنية المعلومات، التي كانت بطيئة الحركة في السابق، إلى أسواق مدفوعة بالموضة وتتطلب مهارات جديدة. ولم تكن الشركة تصدق أن مستخدمي أجهزة بلاكبيري، المرتبطين بأنظمة البريد الإلكتروني في شركاتهم، يمكن أن ينفصلوا عن الجهاز بهذه السرعة.
وهناك قوة أخرى، وهي طبيعة التحولات في منصات التقنية، التي تتسم بأن الفائز يستحوذ على جميع الغنائم، وهي تحولات يمكن لها أن تجعل الشركات الرائدة السابقة في الصناعة خارج الحلبة وتحرمها من المنافع المتاحة للشركات الأخرى. وحيث إن شركات تطوير البرامج تحول انتباهها إلى منصات البرامج الجديدة للهواتف الجوالة من شركة أبل وشركة جوجل، فإن شركة ريسيرتش إن موشن تواجه الآن معركة شاقة في سبيل إعادة موضعها لتكون مرة أخرى في قلب النظام البيئي لتقنية الهاتف الجوال.
لكن حتى حين تفلح الشركات فعلاً في تحديد الخطر القاتل الذي يشكله الاضطراب المستقبلي في عالم التقنية، فقد تبيَّن أن من الصعب تماماً على كثير من شركات التقنية أن تتكيف مع ذلك.
يقول لارس ماتيسون، وهو تنفيذي سابق في شركة كوداك وكان مسؤولاً في إحدى المراحل عن 23 ألف موظف في قسم التصنيع في الشركة: ''إن التطورات في التقنيات الرقمية كانت واضحة لنا منذ أواخر السبعينيات''. لكن هذه البصيرة لم تمنع الانزلاق الطويل التي أدى إلى أن تقدم شركة كوداك في وقت مبكر من هذا الشهر طلباً لحماية نفسها من الدائنين.
تعاملت شركة كوداك مع الموضوع بالطريقة التقليدية في عالم الإدارة، أي أنها حددت ما تتمتع به من مزايا تنافسية قابلة للاستدامة وسعت لاستخدامها كأساس للتنويع في أسواق جديدة من شأنها أن تعوض عن التآكل المتوقع في أعمال الأفلام لديها.
نقاط القوة المذكورة، وفقاً لماتيسون، الذي يعمل الآن أستاذاً في كلية سايمون للدراسات العاليا لإدارة الأعمال في جامعة روتشستر، كانت تشتمل على قاعدة قوية للأبحاث والتطوير، من ضمنها على وجه الخصوص موقع رائد عالمياً في مجال الكيمياء العضوية؛ وقدرة متخصصة في التصنيع تعلمتها الشركة في مجال الأفلام؛ وعلامة تجارية من أقوى العلامات الاستهلاكية العالمية.
اتبعت شركة كوداك منطق هذا التحليل في أسواق متنوعة ومختلفة مثل دخولها في أعمال اختبارات الدم وتصوير النسخ والأدوية، مع استحواذها على شركة ستيرلِنج للأدوية. ولم ينتج عن أي من هذه الأعمال أن تكون أساساً لأعمال كبيرة جديدة وتم بعد ذلك التخلص منها جميعاً.
هذه السلسلة المتتالية من حالات الإخفاق تشير إلى اثنين من الدروس الرئيسة التي نتعلمها من محاولات التكيف الفاشلة من قبل شركات التقنية.
الدرس الأول هو أنه لا يكفي للشركة أن تعبث على غير هدى في تقنيات جديدة. تقول ماكجراث من كلية إدارة الأعمال في جامعة كولومبيا: ''الابتكار بحاجة إلى أن يعامَل على أنه أمر مهم منهجي، وليس عملية تتم خلال مرحلة معينة ثم تنقطع بعد أخرى وهكذا''. إن المصالح المكتسبة داخل الشركات والتي تصطف ضد التغييرات المحدِثة للاضطراب يمكن أن تكون قوية ومسيطرة.
على سبيل المثال تَجهَد شركة سوني في سبيل التغلب على المصالح المكتسبة المتمترسة داخل الشركة من قبل أقسام الإنتاج القوية، وهذا يجعل الشركة ضعيفة أمام أنواع المنتجات الجديدة التي غالباً ما تعبر حدود الشركات، مثل الجمع بين جهاز آي بود من شركة أبل ومتجر آي تونز لبيع المنتجات الفنية.
تضيف ماكجراث أنه على الرغم من كون شركات التقنية في الغالب نتاجاً للتفكير الابتكاري حديث العهد، إلا أنها ربما تكون أسوأ من أنواع الشركات الأخرى من حيث مناسبتها للتحدي. إن الغرور الناتج عن نجاح تلك الشركات لا يزال قوياً، وهي تفتقر في الغالب إلى المهارات الإدارية الواسعة. وتقول ماكجراث في هذا الصدد: ''حين يكون المهندسون في مركز السلطة، من السهل أن نجد أنه لا يتم التصدي للمشكلات غير المناسبة من الناحية الهندسية''.
الدرس الآخر المستفاد هو أن الخيارات الاستراتيجية لا تزال لها أهميتها. إن مجرد السعي لتغيير المسار واستنساخ تقنية جديدة تحدِث الاضطراب في النمط القائم هو في الغالب مسار خاطئ ينبغي ألا تتخذه الشركة. على سبيل المثال فإن شركة آي بي إم، بعد أن شاهدت التحدي الذي كان ماثلاً أمام أعمالها في أجهزة الكمبيوتر الرئيسة الكبيرة نتيجة لبروز عصر ''خوادم العملاء''، ألقت بثقلها خلف أعمال الكمبيوتر الشخصي في أوائل الثمانينيات. مع ذلك فإن قرار شركة آي بي إم الذي اتخذته في نهاية المطاف بالتراجع عن أعمال الكمبيوتر الشخصي هو فقط الذي أعطى الإشارة بأنها تعلمت درساً استراتيجياً: وهو الالتزام بأعمالها ذات الهوامش العالية في مجال تقنية المعلومات مع إضافة البرامج والخدمات.
ارتكبت شركة كوداك خطأ استراتيجياً مماثلاً. قبل عقدين من الزمن، وفي سعيها نحو اتجاه جديد، أحضرت الشركة نجماً صاعداً من شركة موتورولا، وهو جورج فيشر، في سبيل مساعدتها على قيادة التوجه نحو الكاميرات الرقمية.
يقول ماتيسون، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة روتشستر: ''كانوا يفكرون في أن يأخذوا أعمالاً تتمتع بهوامش أرباح في حدود 60 إلى 80 في المائة والدخول في الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، وهو قطاع يُعتبر فيه هامش الأرباح بمقياس 5 في المائة أمراً طيباً إلى حد كبير''.
وحين أخفقت شركة كوداك في تحقيق النجاح في مجال التصوير الفوتوغرافي الرقمي، عملت على تعقيد الخطأ السابق من خلال تحويل المسار باتجاه سوق أخرى مليئة بالتحديات، وهي الطابعات التي تعمل بنفث الحبر. وهذا جعل شركة كوداك تَجهَد في المنافسة مع شركات مثل شركة هيوليت باكارد وشركة لِكْسمارك وشركة كانون، التي تهيمن على السوق الاستهلاكية.
بالمقابل، تحولت كل شركة من آي بي إم وشركة زيروكس في لحظة أزمتها باتجاه قطاع أعمالها الأساسية، وبحثت عن طرق في سبيل تعزيز قيمتها في أعين زبائنها من خلال تعزيز الأعمال التي كانت تتقنها على أفضل وجه.
وتقول ماكجراث في هذا السياق: ''عدد كبير يفوق الحد من الشركات تركز على منتجاتها وليس على المشكلات التي تقوم تلك المنتجات بحلها بالنسبة للزبون. في النهاية استطاعت شركة زيروكس أن تتبين أن الزبائن لا يريدون مجرد نسخ مصورة، وإنما يريدون تسلسل أعمال تسمح لهم بتوصيل المعلومات المناسبة إلى المكان المناسب للأسباب المناسبة، وعلى نحو يتسم بالاقتصاد في النفقات''.
وكما برهن ستيف جوبز بعد عودته في عام 1997 إلى شركة أبل التي كانت على شفير الإفلاس، فإن تجريد الشركة من استراتيجيات المنتجات الفاشلة في الماضي والعثور على سبل جديدة لإثارة الزبائن هي أضمن طريق لبعث الحياة في الشركة.
بالنسبة للتنفيذيين الآخرين التي يَجهَدون ضد الحتمية الظاهرة للتراجع في شركات التقنية، فإن هذا مستوى رفيع ينبغي لهم أن يحاولوا مجاراته.

