للحظة خاطفة بعد انهيار ليمان برذرز، بدا أن السياسيين أصبحوا السادة مرة أخرى. ووضع قادة البلدان الغنية والناهضة خلافاتهم جانبا لتفادي هبوط اقتصادي عالمي. وأصدرت مجموعة العشرين إعلانات رنانة تعد بهندسة سياسية جديدة للنظام المالي الدولي. وتمت الإطاحة بوول ستريت، والحي المالي في لندن فجأة من على قواعدهما المذهبة.
وبعد مرور ثلاث سنوات، تتخذ الأسواق قرارها. وتقوم وكالات التصنيف بإذلال حكومة الولايات المتحدة القوية، وتجرد فرنسا من مركزها الائتماني الثمين، AAA. وأصبح الانفجار الداخلي للرأسمالية المالية هو أزمة السلطة السياسية في الغرب. ويكمن خلف هذا سباق غير متكافئ بين اقتصاد معولم، وسياسيين يصارعون لتلبية مطالب الناخبين الوطنيين. وأعلن فرانسوا باروين، وزير مالية فرنسا، بعد أن خفضت ستاندرد أند بورز التصنيف الائتماني للبلد: ''ليست وكالات التصنيف هي التي تملي سياسات فرنسا''. وبالنسبة إلى البعض، بدا الأمر وكأنه بيان من الأمل، بقدر ما هو حقيقة واقعة.
وما زال النظام المالي مريضا. وأصبحت السياسة كذلك الآن. وولد الركود الاقتصادي سخطا شعبيا وآثار الاحتجاجات من جانب اليمين واليسار. وعادت سياسة عدم المساواة التي تم نفيها خلال سنوات الطفرة، إلى الظهور مجددا. وفي بريطانيا، تبدو الفجوة بين أولئك الذين هم في قمة مقياس الدخل، وأسفله، أوسع من أي فترة سابقة. وتشعر الطبقة الوسطى بأنها تتعرض إلى ضغوط شديدة. وكان الائتمان السهل يغلف هذه المشاركة غير المتساوية، أما الآن، وهو وقت التقشف، فإن الفجوة بين الواحد في المائة، والـ99 في المائة، تضع علامة استفهام حول شرعية نظام السوق.
وقد تراجعت الثقة في الرأسمالية. وأشار استطلاع للرأي أجرته جلوبسكان حديثا إلى أن الدعم لنظام التجارة الحرة انخفض إلى نحو 60 في المائة في الولايات المتحدة. وكانت النسبة 80 في المائة قبل عشر سنوات. وتفاخر في الماضي ميت رومني، المرشح الجمهوري الأوفر حظا في السباق الرئاسي لهذا العام، بنجاحه في تأسيس بين كابيتال، شركة الأسهم الخاصة. وأما الآن، فيمكن أن تبرهن الوظيفة التي تقع عند النهاية الحادة للتدمير المبدع للرأسمالية على أنها مسؤولية سياسية.
وعلى نحو يدعو إلى المفارقة، وجد الاستطلاع أن الثقة في الأسواق كانت أقوى في الصين بشكل كبير. وكانت النتائج أعلى كذلك في البرازيل، وألمانيا. ويبدو أن قادة معظم الأطياف السياسية يتفقون على أن الرأسمالية ما زالت العرض المستمر في المدينة - ولكن هل يتعين تحريرها من القيود؟
أما في أوروبا، فأثر تراكم ديون البنوك على العجز عند الحكومات، وبذلك تحولت الأزمة المالية إلى أخرى تتمحور حول الديون السيادية. وتهدد العواصف التي تحاصر اليورو مشروع القارة الأقصى طموحا. وتحذر أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، بالقليل من المبالغة فقط، من أن فشل اليورو سيعرض عقودا من التكامل الأوروبي للخطر. وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، فإن إجماعا ضعيفا مبدئيا في واشنطن حول إنقاذ وول ستريت أفسح المجال أمام حدوث مأزق سياسي. ويواجه باراك أوباما صراعا مستمرا مع الجمهوريين في الكونجرس للحصول على أموال تكفي لإبقاء الحكومة الاتحادية تعمل.
وفي هذه الأثناء، فإننا نجد الشعبويين من اليمين في حزب الشاي وحركة احتلال وول ستريت، وأجزاء من أوروبا يصرخون جميعهم من الأطراف. وخسرت اليونان، وإيطاليا السياسيين المنتخبين لمصلحة التكنوقراط. وفي كل مكان آخر، فإن الرؤساء، ورؤساء الوزراء يشبهون الضحايا على نحو أكثر من كونهم سادة.
في عام 2009، كانت الأمور تبدو وكأنها ستكون مختلفة. ولدى دراسته عمليات تأميم مجموعة من المؤسسات المالية الأمريكية، واستحواذ واشنطن على صناعة السيارات، علق مسؤول صيني رفيع المنصب باقتضاب قائلا إنه اكتشف ''اشتراكية بخصائص أمريكية''. وفي بريطانيا، أجبر الانهيار الحكومة البريطانية على أخذ حصص مسيطرة في أكبر بنكين هنا، ودعم بنوك عدة أصغر أخرى. وما بدا أنه حدث يهدد الحياة، أصبح مرضا مزمنا وهي ليست أزمة الرأسمالية إلى حد كبير، وإنما قدرة السياسيين على إدارتها.
وتم تأميم خسائر البنوك، وأسهمت مليارات الدولارات من الأصول السامة التي كانت في الماضي مسجلة في دفاتر المؤسسات المالية، بمراكمة المزيد من الضغوط على العجز العام المنتفخ فعليا بسبب الانكماش.
إن الحكومات في حاجة ماسة إلى النمو، ويبدي الاقتصاد الأمريكي إشارات على الحياة، غير أن تعافيه كان ضعيفا. وتعتمد آمال أوباما للفوز بفترة رئاسية ثانية بشكل حاسم على الانخفاض الثابت في معدل البطالة. وفي أوروبا، اختفى النمو تماما. وأما اقتصادات البلدان الطرفية في منطقة اليورو: اليونان، وإسبانيا، والبرتغال، وإيرلندا، فإنها جميعها تعيش على أجهزة الإنعاش، ويتم إبقاء المجموعات المصرفية في القارة عائمة على بحر من السيولة المقدمة من البنك المركزي الأوروبي.
إن الشعور السائد بالعجز السياسي ظاهرة غربية، وليست عالمية. وتبدو الصين والهند والبرازيل والبلدان الباقية الناهضة ليست حصينة ضد مشاكل البلدان الغنية، ولكن اقتصاداتها استمرت في النمو. وبالنسبة إلى معظم الآسيويين، يبدو اليوم أفضل من الأمس، ويبدو الغد أفضل رغم ذلك. واكتشف السياسيون الأمريكيون، والأوربيون أن الرأسمالية لم تعد حكرا على الغرب. وبدلا من ذلك، فإن المشاكل التي تواجهها الاقتصادات المتقدمة أسهمت في بلورة التحول المؤلم في ميزان القوة الاقتصادية العالمية. وأصبح للصينيين، والهنود، والبرازيليين رأي في تحديد شروط التبادل.
ورأى السياسيون من اليسار، ويسار الوسط، فرصة في الانهيار. وأما توافق واشنطن، أي الفكرة المنظمة خلف التقدم العالمي لرأسمالية النظام المالي، (دعه يعمل)، فقد تم تجريده من مصداقيته. وافترض الاشتراكيون، والديمقراطيون الاشتراكيون أن زوال مبدأ تحرير الأسواق سيسهم في إعادة تأهيل دور الحكومة بصفتها فاعلا محوريا في الإدارة الاقتصادية. وسيترجم الغضب الشعبي تجاه المصرفيين إلى ثقة متجددة في كفاءة الدولة. وكما اتضحت الأمور، فإن يمين الوسط اكتسح الانتخابات.
ولدى المؤسسة الفكرية التقدمية، شبكة السياسة Policy Network، تفسير لهذا الأمر. وكان خطأ يسار الوسط يتمثل في سوء قراءة الغضب تجاه تجاوزات السوق على أنه عودة ثقة الجمهور في الدولة. وتُظهر استطلاعات الرأي التي أجرتها المؤسسة أن الناخبين كانوا ينظرون إلى الأزمة بصفتها أزمة اقتراض حكومي وديون، إضافة إلى جشع المصرفيين. ولا يعتقد الناخبون أن حل دوامة العجوزات هو المزيد من الاقتراض الحكومي. ويقول مصدر من شبكة السياسة: ''إن مسألة الدولة - حجم تدخلها، ودورها، وكفاءتها - هي التي أصبحت القضية المركزية، وليس عدم الاستقرار المتأصل، وإيديولوجية السوق الحرة''. ولكن بعبارة أخرى، إذا احتاجت الرأسمالية إلى الإصلاح، فإن الأوروبيين قرروا ترك المهمة إلى السياسيين الذين يفهمون السوق بشكل أفضل.
واجتذبت حركة الاحتلال التي نشأت عبر المدن الأمريكية والأوروبية التعاطف من خارج دائرة المناصرين العاديين للمحتجين. ولكن خيوطها العديدة، بعضهم يناهض الرأسمالية، وبعضهم يناهض العولمة، والعديد منهم من الديمقراطيين الاشتراكيين- تفتقر إلى آفاق متناسقة. وعلى جانب اليمين الشعبوي، تبدو الأفكار الرئيسة متممة في بعض الأحيان، مثل معارضة الهجرة، ولكنها في الغالب غير متناقضة. وسخر حزب الشاي من دوروحوافز الحكومة الاتحادية: إن واشنطن هي الخطر الكبير. وفي فرنسا، وهولندا، وفنلندا، وهنجاريا، وغيرها، استهدفت أحزاب أقصى اليمين الرأسمالية العالمية بصفتها العدو، واعتبر صندوق النقد الدولي، والاتحاد الأوروبي في بعض الأحيان، متآمرين.
إن ثقة الجمهور المتراجعة تشكل جزئيا ببساطة انعكاسا للحقائق الاقتصادية الوحشية. وفرض الانهيار المالي خسائر هائلة على الأبرياء. وارتفع معدل البطالة بحدة، وأصبحت المستويات المعيشية راكدة، أو انخفضت. ومع ذلك، حتى حين اكتسحتهم التيارات الغادرة، لم يساعد السياسيون أنفسهم. ولم ينعم الغرب بقيادة حاسمة. ويفتقر أوباما إلى مزاج فرانكلين روزفلت. وأسهم حذر ميركل المرضي تقريبا في زيادة تكاليف إنقاذ اليورو بدرجة عالية، إذا بقي مثل هذا الإنقاذ ممكنا. ويمتلك نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي، الطاقة والطموح الخطابي، ولكنه يفتقر إلى الوضوح والتركيز.
الأمر المفقود كذلك هو وجود قائمة مقنعة. فقد تم تشديد التنظيم المالي. ولدى الولايات المتحدة قانون دود- فرانك، وقانون فولكر، ولدى بريطانيا لجنة فيكرز بشأن المصرفية. وتحبك ألمانيا، وفرنسا، ضريبة على الخدمات المالية. ويعد أوباما بوول ستريت أقل، والمزيد من مين ستريت، بينما يعد ديفيد كاميرون في بريطانيا بهندسة مالية أقل، والمزيد من الإنتاج الفعلي. ويفتقر الحديث عن رأسمالية ''مسؤولة''، وعن إعادة توازن الاقتصادات، وتقييد مكافآت فاحشي الثراء إلى أي شيء يشبه خطة كبيرة. ويتمثل الطموح في الإصلاح وتدبير ما هو متوافر.
وتكمن خلف كل هذا، على أية حال، المشكلة الهيكلية وهي عدم التطابق بين الاقتصاد العالمي، والسياسة المحلية. وكانت الدول تعطي السلطة إلى العولمة. وكان الدرس الكبير حول مدى تفوق الرأسمالية المعولمة على قدرة الحكومات الوطنية على إدارتها.
وسلمت الحكومات السلطة إلى رأس المال المتحرك، وإلى سلاسل الإمدادات العابرة للحدود، وإلى الاتصالات العالمية الفورية والتحولات السريعة في أفضلية المقارنة. ويتوقع المواطنون من السياسيين حمايتهم من عوامل انعدام الأمن السائدة في العصر، سواء كانت اقتصادية أو مادية. ومع ذلك، لم يعد لدى الحكومات الأدوات اللازمة لتوفير مثل تلك الحماية. وقال وزير رفيع المنصب في حكومة كاميرون حول ركود الأجور الذي تواجهه الطبقات الوسطى: ''تدفع العولمة عدم المساواة. وليس هناك الكثير مما يمكننا القيام به حيال الأمر''.
والأمر ذاته يمكن أن يقال عن الزيادة في معدل البطالة الهيكلية في معظم الاقتصادات الغنية، في الوقت الذي تحركت فيه أفضلية المقارنة باتجاه الشرق سريعا.
إنها الفجوة بين العرض والطلب على الإدارة هي التي تشعل السخط الشعبي، وتعطي الزخم لإغراء الدول لكي تنظر إلى ذاتها. وتفسر نهضة الشعبوية اليمينية، وحركات اليسار المناهضة للرأسمالية، وتخاطر بإشعار تنافس خطير لسياسة الهوية على جانبي الأطلسي. وكان رد معظم الحكومات يتمثل في اللجوء إلى الداخل، والسعي إلى تحدي وقائع الاعتماد المتبادل، بتصعيد التعريفات الضيقة للمصالح الوطنية. وتصدعت المفاهيم القديمة للمصالح المتبادلة والتضامن، حتى في منطقة اليورو، المجموعة الأوثق تكاملا من البلدان الغنية.
وتقول ميركل إنه ليس من الممكن اعتبار الناخبين الألمان مسؤولين عن السلوك المتهور لأبناء عمومهم الأوروبيين المبذرين. وينتقد السياسيون في البلدان الطرفية المتعثرة في القارة، أنانية الألمان. وكانت آثار ذلك تتمثل في تشكيل أزمة اليورو من جديد لتصبح لعبة يربح فيها أحد الأطراف جميع ما يخسره الطرف الآخر. وما ستكسبه اليونان، والبرتغال، وإسبانيا، وإيطاليا، ينبغي أن تخسره بلدان مقرضة مثل ألمانيا، وهولندا، وفنلندا.
إن الإشارة التي يبعث بها هذا الأمر هي معاكسة للأهداف المقصودة منها بالقدر ذاته. وقد انتهى الشعور بالمصلحة المشتركة الذي كان واضحا بعد الاجتماعات الساخنة لمجموعة العشرين. وإذا كانت البلدان المتكاملة سياسيا بهذه الدرجة، كتلك الموجودة في منطقة اليورو، على درجة عالية من التردد في العمل بتناسق، فلماذا يتوجب على الصين، والهند، أو البرازيل أن تستثمر حسن نيتها في إدارة دولية متعاونة؟ إنه سؤال ما زال على القادة الغربيين أن يجدوا إجابة له.
يقول الأستاذ تشارلز كوبشان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون: إن الانهيار السياسي في الولايات المتحدة، والتضامن المتشظي في أوروبا، والجولة السريعة لتعاقب رؤساء الوزارات في اليابان يضاعف أزمة إدارة الحكم. وأدى تشتت القوة في النظام الاقتصادي الدولي إلى إضعاف كفاءة أدوات السياسة التقليدية. وهنالك حلول لهذه العلة، كما يقول، بما في ذلك مزيد من النشاط الحكومي في تقديم البنية التحتية، والتدريب، والتحرك لتحسين التنافسية، وإضعاف مجموعات المصالح الخاصة التي حصلت على بعض المرتفعات المسيطرة للرأسمالية.
ورغم ذلك، فإن هذه ليست حلولا سريعة، وإن الخطر هو أن ما بدأ كأزمة للرأسمالية المالية سيخلي السبيل إلى جيل جديد من التعصب الوطني وهما جيشان ضد العولمة، والعودة إلى سياسة ضرورة وجود مهزوم. ويمكن أن يكون الطريق الأفضل جهدا لتوسيع إصلاح النظام متعدد الأطراف؛ لكي نقرن التكامل الاقتصادي بإدارة عالمية عظمى. غير أننا في الوقت الراهن بعيدون عن ذلك بعدنا عن محاولة جادة لإعادة صناعة قواعد الرأسمالية.

