ما الذي يمكن أن نشهده في الاقتصاد العالمي خلال عام 2012؟ المخاطر الوافرة، هذا هو الجواب.
حتى الآن مضت فعليا أربع سنوات ونصف على أزمة ديون البلدان عالية الدخل. ومع ذلك لا تظهر أية إشارة على الانحسار، لا سيما في منطقة اليورو. وفي حين تمر البلدان الناشئة والنامية في ظروف جيدة، إلا أنها ستكون ضعيفة أمام اشتداد الأزمة التي يمكن أن تضربها عبر عدة قنوات: التجارة، والتمويل، والحوالات. فكثير من البلدان – عالية الدخل والنامية – في وضع أضعف مما كانت عليه في عام 2008، وتجد وفقاً لذلك أن من الصعب عليها الرد على الأزمة بفاعلية.
#2#
ويبدو إجماع توقعات كانون الثاني (يناير) هذا العام أدنى مما كان عليه في كانون الثاني (يناير) 2011 بالنسبة إلى جميع الاقتصادات المهمة في العالم، بما فيها الصين والهند سريعتا النمو. ويتسم تخفيض التوقعات بالنسبة إلى بلدان منطقة اليورو بالحدة: يتوقع أن يكون نمو منطقة اليورو الآن عند نسبة 0.3 في المائة، مقابل نسبة 1.6 في المائة قبل عام. ويتوقع أن يكون النمو الألماني 0.5 في المائة، بانخفاض عن نسبة 1.8 في المائة. ويتوقع أن يكون النمو الفرنسي عند نسبة صفر، بانخفاض عن 1.7 في المائة، بينما يتوقع أن يكون النمو الإيطالي عند نسبة – 1.3 في المائة، بانخفاض عن 1.1 في المائة.
إن أي شخص يتخيل أن تتحسن النتائج المالية مقابل هذه الخلفية الكئيبة يعيش في عالم الوهم. وسيقابل التحسينات في العجوزات الهيكلية إلى حد كبير – إذا لم يكن بالكامل – تدهور في الموازين الدورية.
وبين البلدان عالية الدخل، لا تقتصر الأنباء السيئة على أوروبا فحسب، لكنها أسوأ بكثير في هذه القارة. ويتوقع الآن أن يكون نمو الولايات المتحدة في عام 2012 بنسبة 2.2 في المائة، وهذا تحسن بسيط على إجماع توقعات تشرين الأول (أكتوبر) البالغ 1.9 في المائة، لكنها رغم ذلك أدنى بكثير من نسبة كانون الثاني (يناير) العام الماضي، البالغة 3.3 في المائة. وكان توقع انخفاض نمو اليابان هو الأقل؛ من 2 في المائة إلى 1.9 في المائة، على الرغم من أن سبب ذلك إلى حد كبير هو التعافي من آثار السونامي الذي تعرضت له.
وتعاني الولايات المتحدة واليابان نقاط ضعف خاصة بهما على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. وتشكل العجوزات المالية الهيكلية الهائلة في الولايات المتحدة، والحزبية المتطرفة في واشنطن، أسباباً للقلق. لكن أوروبا هي بؤرة الضعف الحالي بسبب عدم قدرة البلدان الأعضاء على إيقاف، وعكس اتجاه التفاعل القاسي بين الاضطراب الاقتصادي والمالي في عدد متنامٍ من البلدان الضعيفة.
إن الأمر الذي يزيد من صعوبة إدارة هذه المرحلة من أزمات الديون الجارية منذ فترة طويلة هو أن الجدارة الائتمانية السيادية تراجعت بشكل أساسي. وكلما ازداد الضعف السيادي – بما في ذلك في إيطاليا وإسبانيا – لن تستطيع البلدان إنقاذ بنوكها بسهولة إذا احتاجت إلى أن تفعل ذلك. وحتى في البلدان التي تبقى فيها تكاليف الاقتراض السيادي متدنية، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا، ليس من الواضح ما إذا كانت الحكومات على استعداد – أو تسمح لها السياسات المحلية – بالتدخل بقوة لتدعم أنظمتها المالية، مثلما حدث في عام 2008.
نقاط الضعف هذه تجلب مخاطر سلبية كبيرة. ويجادل تقرير التوقعات الاقتصادية العالمية الأحدث، الصادر عن البنك الدولي، بالقول: ''رغم أنها مسيطر عليها في الوقت الحالي، إلا أن مخاطر التجمد الأوسع نطاقاً لأسواق رأس المال، وحدوث أزمة عالمية مشابهة في الحجم لأزمة ليمان براذرز، تبقى قائمة. وعلى وجه الخصوص، لا يمكن التأكد من استعداد أسواق المال لتمويل العجوزات والديون المستحقة للبلدان عالية الدخل. وإذا وجد مزيد من البلدان أنه محروم من ذلك التمويل، فلا يمكن استبعاد حدوث أزمة مالية أوسع يمكن أن تشمل البنوك الخاصة والمؤسسات المالية الأخرى على جانبي الأطلسي''.
بشكل إجمالي، من المؤكد أن يعيش العالم عدة سنوات مع عواقب تراكمات الديون الخاصة والعامة في البلدان عالية الدخل خلال السنوات السابقة لعام 2007، والتي كانت جزئياً بحد ذاتها، نتيجة للاختلالات العالمية الهائلة في الاقتصاد الكلي لتلك الحقبة. لكن العيوب الاقتصادية والمالية والسياسية في منطقة اليورو فاقمت بشدة ذلك الضعف. وبلدان منطقة اليورو غير قادرة على تفكيك اتحادها، أو إزالة نقاط الضعف الخاصة به.
ماذا يعني هذا الاضطراب الفعلي والمحتمل في البلدان عالية الدخل بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي ككل؟ رداً على ذلك، يجادل معهد التمويل الدولي في أحدث تقرير لمراقبة أسواق المال بالقول إن ''السؤال الرئيسي لعام 2012 هو ما إذا كانت المجالات المرنة من النظام الاقتصادي والمالي العالمي – اقتصادات الأسواق الناشئة وقطاعات الشركات غير المالية – ذات قوة كافية لدعم التأثير المحتمل لمخاطر الائتمان العالية في الاقتصادات الناضجة''.
وفي أحدث تقرير له حول الآفاق الاقتصادية العالمية، يتوقع البنك الدولي تباطؤاً في التجارة العالمية ويتوقع أن يكون حجم النمو بنسبة 4.7 في المائة، منخفضا عن نسبة 6.6 في العام الماضي. ويتوقع تراجعاً في صافي تدفقات رأس المال الخاص إلى البلدان النامية، من 1055 مليار دولار في عام 2012، وما يقدر بحوالي 954.4 مليار دولار عام 2011 إلى 807 مليارات دولار هذا العام. وخفض كذلك توقع النمو الاقتصادي في البلدان النامية إلى 5.4 في المائة، هبوطا من 6.2 في المائة توقعها في حزيران (يونيو) 2011.
في ظاهر الأمر، لا يبدو كل ذلك خطيراً للغاية. وبشكل عام، فإن ذلك التقدير صحيح على الأرجح. لكن لا يمكننا تحديد اثنتين من الخصائص المهمة لمثل ذلك التفاؤل المريح.
الأولى، أن المتوسطات تخفي بقدر ما تكشف. وحتى مثل ذلك التدهور في الظروف الخارجية سيشكل مشكلة كبيرة بالنسبة إلى كثير من البلدان النامية. ويعاني عدد من البلدان عجوزات كبيرة في الحساب الجاري. ويواجه العديد منها كذلك مراكز مالية أسوأ للغاية من عام 2008. وجميع هذه البلدان ضعيفة حتى أمام أكثر الانقطاعات تواضعاً في تدفق التمويل العالمي ومرونة المقبوضات من الصادرات والحوالات. وبعض هذه البلدان الضعيفة مهم للغاية. وتعتبر تركيا التي يتوقع أن تعاني عجزا في الحساب الجاري بنسبة 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، مثالاً جيداً على ذلك.
ثانياً، على الأرجح أن تكون الصدمات في البلدان عالية الدخل أكبر بكثير من تلك التي تتضمنها السيناريوهات الأساسية. وفي أسوأ الأحوال يمكن أن تكون تلك الصدمات بالحجم الكبير الذي كانت عليه عام 2008. وأي انهيار في أسعار السلع، مثلا، سيدمر مصادر تمويل العديد من البلدان الناشئة والنامية. ومع ذلك، ثمة احتمال أن تكون القدرة على مكافحة مثل تلك الصدمات أقل بكثير في البلدان عالية الدخل والبلدان الناشئة والنامية، مقارنة بذلك الوقت.
في المجمل، حسبما يجادل البنك الدولي ''يتعين على البلدان النامية أن تستعد للأسوأ''. ولسوء الحظ كان هذا بالضبط ما يفعله قطاع الشركات غير المالية والأسر التي تتمتع الآن بالملاءة في البلدان عالية الدخل. وكانت النتيجة تقشف القطاع الخاص في تلك البلدان، وبالتالي حصل ما يمكن وصفه بعبارة ''انكماش مقيد''. غير أن تقييد ذلك الانكماش اعتمد على الدعم من العجوزات المالية الكبيرة والسياسات النقدية المتوسعة بدرجة عالية. وسيبقى ذلك مستمراً في عام 2012.
إذا لم تستطع الحكومات – أو لن تفعل – الاستمرار في توفير مثل ذلك الدعم، يبقى حدوث انكماش حقيقي أمراً محتملاً. وسيتأثر الجميع عندئذ، بما في ذلك الاقتصادات الناشئة الأقوى. وتبقى هذه الأوقات أوقاتا صعبة: لن يكون عام 2012 نهايتها.


