المنافسة والإغراق التجاري

تعتبر المنافسة غير المشروعة من الأساليب التجارية التسويقية المحرمة شرعاً ونظاماً، وذلك لإضرارها بالغير، ومن ذلك الإغراق التجاري وهو الفعل الذي يتم من خلاله بيع السلعة المنتجة محليا في الأسواق الدولية بسعر أقل من تكلفة إنتاجها أو بسعر يقل عن أسعار السلع البديلة أو المماثلة التي تباع في السوق المحلية، وعليه سيكون هناك سعران في نظام الإغراق التجاري، الأول مرتفع يسود في السوق المحلية، أي في مكان إنتاج السلعة، والآخر سعر منخفض في السوق الدولية، أي في مكان تصريف السلعة عالميا. وهناك أنواع للإغراق التجاري تتضح من خلال: أ - الإغراق الفجائي (العرضي) وهو الذي يحدث في ظروف طارئة أو عرضية عندما يكون نتيجة الرغبة في التخلص من سلعة معينة في فترة معينة مثلا نهاية الموسم، وتظهر عندنا في مواسم محددة مثل السلع المرتبطة بشهر رمضان أو الأعياد أو موسم الحج وبذلك يتم طرحها في الأسواق الدولية بأسعار منخفضة. ب - الإغراق قصير الأجل Short –term Dumping ويتم العمل به لغاية معينة، إذ ينتهي بمجرد تحقيق الهدف مثل ترويج سلعة وتسويقها، ومثال ذلك اللجوء المؤقت لبيع السلعة بسعر منخفض من أجل كسب أسواق واسعة، فالمنتج هنا رغم تحمله نتائج ذلك التخفيض مؤقتا فإنه يعود للسعر السائد قبل التخفيض من أجل تعويض ما أصابه من خسائر. ج - الإغراق الدائم Permanent Dumping، ويتسم بالتخفيض الدائم في الأسعار لتحقيق أهداف استراتيجية، ويفترض هذا النوع وجود الاحتكار في السوق المحلية وتوافر الحماية لتخفيض حدة المنافسة الدولية عبر إجراءات كمية ونوعية على الاستيراد. ولذلك فإن الإغراق يحصل إما بدافع مواجهة ضيق الطلب في السوق المحلية عن استيعاب الإنتاج الوطني وإما استجابة لأهداف استراتيجية باختراق أسواق التصدير والحصول على موضع قدم أولا في الدولة المستوردة ثم العمل على رفع سعر المنتج المصدر لتعظيم الأرباح. هذه أبرز ملامح الإغراق التجاري وغالبا يكمن الإشكال حول النوع الثالث لقيام المنافسة. وهذا يؤثر في الاقتصاد الوطني وإن كانت المنافسة في حد ذاتها مكسب للمستهلك على مستواه الفردي. ويترتب على الإغراق التجاري نتائج اقتصادية تتلخص في حصول: أ ـ انخفاض كبير في أسعار السلع المماثلة للسلع المستوردة نتيجة إغراق السوق المحلية من قبل المصدر الأجنبي. ب - الحد من احتمالات ارتفاع أسعار المنتج المحلي نتيجة منافسة المنتج المستورد المنخفض السعر، وكذلك الإضرار بالصناعات الوطنية وتحجيمها لقلة الطلب عليها، ولذلك قررت اتفاقية الجات عام 1947 للدول المتضررة من سياسة الإغراق اتخاذ إجراءات حماية لاقتصادها الوطني وذلك بفرض رسوم الإغراق على ألا تكون وسيلة لأغراض الحماية، ولا يجوز اتخاذ تدابير مكافحة الإغراق إلا إذا ثبت أن الطرف المصََدر يبيع بخسارة أو بسعر أدنى من السعر المعمول به في السوق الداخلية. وفي الشرع المطهر قاعدة لا ضرر ولا ضرار، وتم تحريم البيع على بيع أخيه احتراماً لحقوق المنافسة ومنعاً للإضرار وكذلك تلقي الركبان وبيع النجش، وهذه القواعد الشرعية تؤسس لسياسة احترام أصول المنافسة ومنع غير المشروع منها. وعلى الصعيد الميداني فقد ازدادت عالميا إجراءات مكافحة الإغراق التجاري، إذ تستحوذ دول شرق آسيا مثلا على النصيب الأكبر من إجراءات مكافحة الإغراق لأنها عرضة بمقدار مرتين تقريبا لحالات الإغراق التجاري أكثر من دول أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية. إن المطلوب لنجاح مكافحة الإغراق التجاري العمل على توفير البيئة الاقتصادية المناسبة للصناعات الوطنية لتحقيق أفضل كفاءة إنتاجية وبعكسه سنكون قد حرمنا المواطن من منتجات الآخرين التي قد تكون أكثر تميزا في نوعياتها وأسعارها دون أن نوفر البديل الوطني المناسب لها. فبينما - مثلا - استطاعت الصين أن تستثمر إجراءات الحماية في تطوير صناعاتها وتغرق العالم بإنتاجها، فإن السعودية لم تستطع أن تستثمر إجراءات مكافحة الإغراق في تطوير إنتاجها الوطني، ولا سيما في قطاعاتها الحيوية كإنتاج البنزين وبقية المحروقات رغم أنها من كبريات دول العالم في إنتاج مصادر الطاقة، فالقضية إذن ليست في إصدار قوانين مكافحة الإغراق والحماية، بل في إجراء تغييرات هيكلية في الجهاز الإنتاجي المحلي وفي شيوع ثقافة ريادة المنتج الوطني. إن السوق المفتوحة تحتم على الجهات التنظيمية سن تدابير وأنظمة تحمي المنافسة، خاصة عند غياب المعاني الأخلاقية والقيم الذاتية لبعض التجار والمسوقين، والاتكاء على قواعد الشريعة الإسلامية في تحكيم سياسة المنافسة تخلق أجواء تحترم حقوق المستهلك والمنتج في وقت واحد، وصدق الله إذ يقول (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).
إنشرها