التنمية.. وصورة الوطن.. ومأمور السنترال!

|
تحرص كل جهة عامة أو خاصة في العالم المتقدم على اكتساب ثقة المتعاملين معها ومع عموم الجمهور، وبالتالي فهي تثابر على تكريس الانطباع المميز عنها من خلال منجزاتها العملية بالأساس ومن خلال وسيلة تحقيق المصلحة الفردية أو المؤسسية منها، ولذلك فهي تعتني بعلاقات عامة مؤهلة لترسيخ السمعة التي تتطلع إليها الجهة مثلما أن الجهة نفسها حريصة أيضا على تيسير الاتصال بها من خلال الإنترنت أو من خلال علاقاتها العامة أو رقم أو أرقام هواتفها التي اصطلح على تسميتها ''السنترال''، وكما اصطلح على تسمية موظفي السنترال بالمآمير. وسوف نقصر حديثنا على ''السنترال'' وأميره، فكثيرون منا سافر لبلدان متقدمة أو نامية في الغرب أو الشرق، وبالتأكيد لاحظنا أن اتصالنا بسنترال جهة خاصة أو عامة، نهاراً أو ليلاً، سرعان ما نجد من يجيب عن مكالمتنا من الطرف الآخر في أي سنترال كان.. فمأمور السنترال، رجلاً أو امرأة، ما تكاد تدير رقم هاتف الجهة إلا وتجد من يبادرك بفتح الخط ويسألك بدماثة عمّا تريده من خدمة، أو عن الإدارة أو الشخص الذي تريد أن تتحدث إليه.. ولا يدعك إلا وقد حقق مرادك، لكن الظاهرة الفاقعة اللون في سنترالات بلادنا، العامة والخاصة، تبدو كما لو أنها غرف للرنين لا مآمير فيها، أو ينقطع الخط مرارا وأنت تحاول أن يجيبك المأمور لكي يصلك بالإدارات أو الشخص المطلوب.. وإذا كنت محظوظا فقد يرد بعد إزهاق الروح.. وربما حين تطلب من المأمور وصلك بالشخص أو الإدارة، يتركك مع رنين فارغ تواجه الغياب دون أن يكلف نفسه في أن يتأكد من أنه أوصلك لمبتغاك، فالمأمور على ما يبدو يرى مهمته تنتهي بالتخلص منك كيفما اتفق سواء تحدثت مع مَن طلبته من أجله أم داخ رأسك من الرنين!! إن عدم مبادرة مآمير السنترالات وعدم كفاءتهم العملية في أداء مهمتهم ينعكس سلباً، ليس على الجهة التي يعمل بها هذا المأمور أو ذاك وقد تكون جهة خاصة فتخسر ما أسست من أجل ربحه في بضاعة أو سلعة أو خدمة وقد تكون جهة عامة من جهات التنمية في قطاع الخدمات أو الإنتاج فيعوق ''طناش'' المأمور سير أعمال الجهات الحكومية ويزيد من تعقيدها بتأخر المعاملات أو بزحام المراجعين في شأن كان بالإمكان أن يتم بمكالمة لدقائق معدودة. ومع أن بعض الجهات لجأت إلى سنترالات آلية تجيب على المتصل وتزوده ببعض التحويلات المطلوبة أو الضغط على ''الصفر - مثلا'' للخدمة، إلا أن مثل هذه الجهات غالبا ما تكتفي ببضع إدارات قد لا يكون طلبك في إحداها وقد تغامر فتحاول مع إحداها وتسأل عن الشخص الذي تريد فما تحصل على إجابة، فتضطر لخوض غمار الحرب مع سنترال مأموره لا يجيب، إما لأنه يثرثر مع مَن حوله أو مشغول بجواله عنك، أو أنه سئم و''زهق'' من هذه المهمة فقرر أن يعاقب هذا المتطفل بالاتصال عليه بتركه نهباً للرنين المدوي ليس إلا!! وغني عن القول أن هناك بعض الجهات تحرص على كفاءة أداء مآمير السنترال عندها وعلى سرعة استجابتهم لطالب الجهة، غير أن المسألة – مع ذلك - تظل ظاهرة تجمع تحت سقفها جهات القطاعين العام والخاص، وهي قد تكون مسلكية ناجمة عن قصور في فهم دور المأمور أو قصور في تأهيله أيضاً، فهو قد لا يعي أو لا يدرك حجم الضرر الذي يتسبّب فيه سواء في تعثر الخدمة وإرباكها أو فيما ينجم عن تصرفه اللا مسؤول من خسائر في المال والوقت والجهد، وهو وضع له علاقة تتصل بالجهة نفسها حين لا تكون على دراية بالتوصيف الوظيفي لهذا الموقع ولا بمهام الموظف فيه، ما يتطلب إعادة النظر في إدارة السنترالات وموظفيها، لكي يتم إعدادهم ليتولوا أداء مهامهم بما يكسب الجهة سمعتها والثقة بها ويوفر – في الوقت نفسه - على طالبي الخدمة عناء الحضور لما قد لا يحتاج إلى حضور ويمكن إنهاؤه بمجرد مكالمة. فهل حان الوقت لأن يُعاد النظر في وظيفة مأمور السنترال كشريان حيوي لتدفق العلاقة بين الجهة وأصحاب المصالح معها من مواطنين أو مقيمين؟ إنه، فوق كونه صيانة للهدر التنموي في الوقت والجهد وتعطل الأعمال وتحسينا في مجريات الأعمال في بلادنا ولسمعة جهات العمل نفسها، فإنه سيشكل قيمة مضافة لثقافة العمل في عناصرها، الاقتصادية، التجارية والاستثمارية، والخدمية، كما أنه يسهم في صورة حضارية لبلادنا في الداخل والخارج، سواء عندنا كمواطنين أو عند مَن يأتي لعمل أو زيارة.. إنه متطور أخلاقي وعملي في الوقت نفسه يثري الشخصية الوطنية بميزة إيجابية لا ينبغي التفريط فيها عن طريق رنين سنترالات لا تجيب.. فهل من سبيل إلى ذلك؟!
إنشرها