«غرفة الموت» .. 7 أمتار تحتجز 25 معلمة وطالبة

"غرفة الموت" عبارة أطلقتها المعلمات المصابات من فوق السرير الأبيض بمستشفى الملك فهد بجدة، ليصفن الأحداث التي وقعت في غرفة المعلمات في الدور الثالث الذي يضم أكثر من 150 طالبة من المرحلة المتوسطة والصفين السادس والخامس، إذ بدأت تفاصيل الحادثة في الدور الثالث الذي حصد الأرواح وتسبب في إصابات ولحظات خوف وذعر لن تنساها ولن تمحوها السنون. "الاقتصادية" التقت عددا من المعلمات والطالبات اللاتي احتجزن في غرفة المعلمات "غرفة الموت"، الغرفة التي شهدت اللحظات الأخيرة للمعلمتين المتوفاتين غدير كتوعة وريم النهاري وأصيبت الأخريات إصابات بليغة، الغرفة التي وصفتها المصابات "بغرفة الموت واللحظات الأخيرة" غرفة لا تتجاوز سبعة أمتار في الدور الثالث، حولت في لمح البصر إلى غرفة لتسجل لحظات الموت والاختناق وحالات الإغماء والذعر والخوف، بعد أن كانت تدون فيها الخطط الدراسية للطالبات ومتابعة أعمالهن، فقد احتجز في الغرفة 15 معلمة وعشر طالبات وسط دخان ولهيب النيران لتسجل لحظات الموت التي عشنها - كما وصفتها المعلمة نورة الغامدي معلمة اللغة العربية، التي تعرضت لكسر بالظهر وحروق متفرقة، حيث قالت: عند تمام الساعة 12 ومع انطلاق الحصة الثامنة وفي فصل الصف السادس كنت أسمِّع الأناشيد للطالبات، وفجأة رأيت دخانا عبر نافدة الفصل وخرجت لأرى الدخان بوضوح، وذهبت للتأكد لأشاهد دخانا متصاعدا من الدور السفلي دون أن تعمل صفارة الإنذار، من ثم بدأت أرفع صوتي لتنبيه الدور بالإخلاء وهرعت إلى غرفة المشرفة غدير كتوعة - رحمها الله - التي لم تشعر بشيء وأخبرتها بالدخان وضرورة الإخلاء. ذهبت غدير إلى ضرب الجرس وسط تعالي الأصوات بالإخلاء مما عمل على خروج المعلمات من الصفوف ومن ثم توجيه غدير كتوعة الطالبات مع المعلمات بالنزول عبر الدرج الخلفي الأكثر أمانا، موضحة أن الطالبات والمعلمات لديهن خلفية وخبرة بالإخلاء، مما سهل إخلاء الطالبات اللاتي يتجاوز عددهن 150 طالبة، ورغم انتشار الفوضى بين الطالبات لتصاعد الدخان إلا أننا قمنا بتوجيه الطالبات إلى المنفذ الخلفي للنزول مع إحدى المعلمات - أحلام الشافعي - التي كانت توجه الطالبات للنزول من الدرج الخلفي. وأضافت أن الفصول الأخرى وغرفة المعلمات كانت بعيدة نوعا ما من الدرج الخلفي وتم توجيه المجموعة الأخرى إلى الدرج الأمامي وعملنا مسارا للطالبات لتوجيههن إلى الدرج الأمامي ولكن قوة وكثافة الدخان كانت أكبر منا، من هنا انقسمنا إلى مجموعتين مجموعة من المعلمات والطالبات توجهت إلى الدرج الخلفي للحاق ببقية الطالبات ولكن للأسف كانت كثافة الدخان عالية ومن ثم وجهت المعلمة الطالبات بالصعود إلى الدور العلوي وسطح المبنى بانتظار الدفاع المدني، فيما احتجزت المجموعة الأخرى ولم تجد منفذا للخروج سوى التوجه إلى غرفة المعلمات حيث كانت أكثر الغرف آمنا وكبيرة، ففي غرفة لا تتجاوز مساحتها سبعة أمتار كانت تجتمع فيها معلمات المدرسة لوضع الخطط الدراسة ومتابعة الطالبات، تحولت في لمح البصر إلى غرفة لمصارعة الموت. من جهتها روت دنيا الشافعي معلمة تربية إسلامية أنها تعرضت لحروق متفرقة وجرح عميق بالفخذ وقالت إنها كانت في غرفة المعلمات مع الطالبة طيف القحطاني حيث كانت تعاني حالة نفسية "الرهاب" وقمت بالاتصال بذويها منذ الحصة السابعة لأخذها من المدرسة ولكن تعذر الأهل للانشغال، حيث أقدمت المدرسة على صرف الطالبات في وقت مبكر تحسبا لهطول أمطار في ذلك اليوم، وبينما كنت أصحح الأوراق فجأة سمعت أصواتا بالخارج وعند الخروج رأيت مجموعة من المعلمات والطالبات يدخلن الغرفة وتم إغلاق الباب. كان العدد قرابة 15 معلمة وعشر طالبات مع المعلمتين غدير كتوعة وريم النهاري "رحمهما الله" ليخبرننا بالحريق، بعد إغلاق الباب توجهنا إلى النوافذ لفتحها ولكن مع كثافة الأدخنة قامت المعلمة أمانة العواجي مع معلمة أخرى بكسر النافذة بغرض الاستنشاق وإعلام الناس بوجودنا والاتصال بالدفاع الذي أبلغنا بسرعة الوصول، ومن ثم اتصلت معلمة تخبرنا بمحاولة الخروج من الدرج الخلفي لتصاعد الدخان وعند فتح الباب دخل الدخان بشكل كثيف مما حجب الرؤية في الغرفة وأسرعنا إلى إغلاق الباب مجددا، وبدأت صرخات الطالبات والمعلمات بالارتفاع لطلب النجدة مع خوف شديد وتوجهنا بعد ذلك إلى النوافذ. وأضافت "عندما اشتدت الحرارة لم أعد أرى أحدا وصعدت على النافذة بغية السقوط لأسمع نداءات المعلمة غدير كتوعة بالتراجع ومحاولتها تهدئتي بعدم السقوط، إلا أن عددا من الأشخاص أشاروا بالعدول عن السقوط إلى أن أقدم شخص ووضع سجاد من الإسفنج المضغوط موجود بحديقة الروضة للسقوط عليه، ولم تتحمل الطالبة طيف القحطاني الحرارة والخوف لتلقي بنفسها وتسقط على أحد المكيفات ومن ثم السقوط على الإسفنج، تلتها إحدى الطالبات شهد التي دخلت في حالة انهيار تام لترمي بنفسها، ومع تسارع الحرارة ألقيت بنفسي، وتعرضت لإصابات نقلت على أثرها إلى المستشفى، وأحمد الله الذي أنقذنا من كارثة. أما أمانة العواجي، معلمة التاريخ، فقد تعرضت لكسور في القدمين وكسر بالظهر وتم إجراء عملية جراحية لها تكللت بالنجاح، وكانت من ضمن المعلمات المحتجزات بالغرفة، وقالت عند تأدية الطالبات اختبار التاريخ سمعت نداءات تطالب بالإخلاء من المعلمات، وعلى الفور وجهت الطالبات إلى بقية المجموعة ومن ثم عند محاولة الخروج كانت كثافة الدخان عالية، ومع عدم قدرة على التنفس طلبت مني إحدى المعلمات الصعود معها إلى سطح البناء ولكن لم أعد أحتمل لعدم قدرتي على التنفس والرؤية وتوجهت إلى الغرفة التي جمعت أكثر المعلمات ومعنا المتوفاتان ريم النهاري وغدير كتوعة "رحمهما الله"، موضحة أن أكثر ما سجل بذاكرتها هو صراخ نسران البلوي ذات الأربعة أعوام وابنة المعلمة نورة البلوي وتمسكها الشديد بوالدتها وسط الصراخ والهلع الذي كانت تعيشه، حيث تعاني والدتها من الربو، مما أدى إلى اختناقها بشكل سريع. واستطردت "بعد لحظات لم أعد أرى أحدا سوى الظلام وصرخات بدأت تنخفض وألقيت بنفسي بعد التشهد حيث أيقنت أن الموت قادم لا محالة حتى أنقذنا رجال الدفاع المدني من داخل الغرفة، مستدركة "صدمنا لعدم عمل صفارات الإنذار التي كانت تعمل بمجرد اشتعال النار وبشكل دوري. كسور لحامل في الشهر السادس من جانبها وصفت إحدى المعلمات فضلت عدم ذكر اسمها وهي حامل في الشهر السادس وتعرضت لكسر في الحوض وعدد من الحروق المتفرقة الحادثة بأنها خيال، وإلى الآن لم تستطع أن تستوعب ما حدث، وقالت إنها لم تعلم بالحريق إلا بدخول الطالبات والمعلمات الغرفة وكان من ضمن المعلمات شقيقتها المعلمة، وخافت عليها اختها من القفز، نظرا لأنها حامل وتوسلت إليها لعدم القفز حفاظ على صحتها والطفل، ولكن كانت حرارة الحريق أقوى من أي دافع ورادع عن القفز، فقفزت ثم تبعتها أختها التي تعرضت لعدد من الكسور المتفرقة إثر سقوطها، وأوضحت أنها لم تعد تعلم حينها من التي قفزت ومن في الغرفة وذلك من هول المشهد.. فلم نعد نرى شيئا سوى لفحات الحرارة التي تحاصرنا من كل الجهات.
إنشرها

أضف تعليق