الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

انتباه .. التقليد هو أفضل الاختراعات

لوسي كيلاوي
لوسي كيلاوي
الجمعة 11 نوفمبر 2011 3:27
انتباه .. التقليد هو أفضل الاختراعات

في الأسبوع الماضي صعدت إلى قطار المساء الذي ينقل المسافرين إلى مناطق سكنهم في ونتشِستر وما وراء ذلك. وأثناء سيرنا باتجاه جنوب لندن، تملَّكَتني رغبة قوية في شيئين، صرفتني عن التركيز على الكتاب الذي بين يدي. الشيء الأول هو أن أغرس قلم الحبر الجاف في كرش الرجل الجالس في المقعد أمامي، الذي غط في النوم وراح يشخر ويصدر أصواتا غير منتظمة من الشخير والصفير والنفخ. أما الشيء الثاني فهو رغبة قوية في تناول كأس من الشراب مع كيس من رقائق البطاطا.

لم أتصرف لتحقيق أي من الرغبتين. لكنني أكرهتُ نفسي على التركيز على الكتاب. كان العنوان هو سأتناول ما تطلبُه هي: رسم السلوك الاجتماعي، من تأليف ثلاثة أساتذة جامعيين يجادلون بأن جميع قراراتنا قائمة على التقليد.

أثناء قراءتي لهذا الكلام خطر على بالي أنني أكّدْتُ لتوي فكرة المؤلفين من خلال تقليدي بصورة غير واعية للمسافرين الآخرين في العربة. فالسبب الذي جعلني لا أغرس قلمي في كرش الرجل ذي الشخير هو أنه لم يكن هناك أي شخص في العربة يبدي علامات توحي بأنه يريد فعل الشيء نفسه. وكان السبب الذي منعني من الاندفاع نحو عربة المطعم في القطار هو أنه لم يكن يبدو على أي من المسافرين الآخرين أنه في حاجة إلى الشراب والدهون والملح. وهكذا بقيت في مكاني، ليس لأنني سأطلبه ما تطلبه هي، وإنما لأنني لن أطلب ما لم يطلبه الآخرون.

يجادل الكتاب بأنه مع التعقيد المتزايد للحياة، ومع موجود المزيد من الناس والمزيد من الخيارات، فإن كل شخص يعمل على المزيد من التقليد.

والآن حين أفكر في هذا الموضوع، أجد أن كل ما أفعله هو عبارة عن تقليد. من المفروض أن يأتي كتاب الأعمدة في الصحف بأفكار أصيلة، لكنني لا أفعل ذلك أبدا. وفكرة عمود هذا الأسبوع - أي التقليد - مأخوذة من هذا الكتاب، كما أن مؤلفي الكتاب نسخوا أفكارهم من أفكار مجموعة مختلفة من الأكاديميين وعلماء التخصصات الاجتماعية. وحين أكتب عمودا معينا، فإنني أتناول فكرة موجودة وأضفي عليها بعض التعديلات من عندي. إن هذا يشبه إلى حد ما شراء قبعة من أحد المحال العامة وارتداء هذه القبعة بطريقة توحي بالثقة والأناقة.

ليس في ذلك ما يدعو إلى الخجل. من الجيد أن نقوم بالتقليد – أظن أنه كان من الممكن أن يهلك الجنس البشري لو لم نكن من المقلدين. إن التقليد يعطيني سبيلا للوصول إلى مجموعة من الأفكار هي أغنى وأكثر تنوعا بما لا يقاس مما لو كنتُ سأقتصر على المجموعة الضئيلة من الأفكار الموجودة عندي.

كذلك، أجد أن سلوكي في حالة تحسن بفضل التقليد، كما يتبين من مثال قلم الحبر الجاف. يغلب على الأفكار المأخوذة عن طريق التقليد أن تكون هي الأفكار الناجحة: فالقبعة، كغطاء للرأس، هي خيار أفضل وأقوى من الناحية العملية من أفكار أكثر أصالة، مثل قطعة لحم طرية أو كرسي، على سبيل المثال.

الشركات التي تلجأ إلى التقليد تحقق نتاج ممتازة. فقد بنت شركة مايكروسوفت نشاطا تبلغ قيمته 200 مليار دولار أو نحو ذلك على أساسه. وحتى شركة أبل التي تذكر دائما كمثال على الشركة التي تباشر الأشياء على طريقتها الخاصة، بنت بعضا من أهم تقنيتها بعد أن وجد ستيف جوبز ضالتها في ماكينة زيروكس.

التقليد هو كل ما تدور حوله حياة المكاتب. ولهذا السبب فإن المكتب الافتراضي، الذي يتم التهليل له كثيرا، لن يقلع في الحقيقة أبدا. فإذا عمل الناس في البيت، فلم يكون هناك من يتمسك بالتقليد.

التقليد مهم بالقدر نفسه للقادة. فقد كان لي رئيس كان يعود من الغداء وقد قلد وجهات نظر كل شخص مهم قابله للتو. في ذلك الوقت، اعتقدت أن هذا نقطة ضعف وتساءلت لماذا لا تكون له أية وجهات نظر خاصة به. لكنني الآن أعتبر أن ذلك نقطة قوة. فمع المداومة على التقليد كان يظل مفعما بالنشاط ومرنا.

ورغم قيمته التي لا ينكرها أحد، فإن للتقليد صورة سيئة لدرجة تسبب الصدمة. فالكلمة تجعل المرء يفكر في النهاية المراوغة للممارسة: الغش في الامتحانات والانتحال – رغم أن الأخير يمكن أن يكون خاضعا لعملية إعادة تأهيل. وعندما اتهمت الجاسوسة الروسية آنا تشابمان في الأسبوع الماضي بانتحال عمل طبيب في الاضطرابات العقلية في الكرملين وأنها نسبته لنفسها، لم تعبر عن الشعور بالندم. وقالت:''إن الانتحال كان سمة القرن الماضي''.

وبينما ننظر بازدراء إلى التقليد، فإننا نشيد بالإبداع والابتكار. فعلى موقع أمازون يوجد 2.732 كتابا عن الإدارة توجد فيها كلمة ابتكار في العنوان. وجميع كليات إدارة الأعمال تدرس مساقات في الابتكار. وتشعر كل شركة بالقلق بشأن كيف تكون أفضل في توليد الأفكار. لكن لا توجد إلا قلة من العناوين التي تشمل على كلمة التقليد، وتبين أن هذه كتيبات تخبرك كيف تشغل ماكينة تصوير.

ويبدو أنه لا يوجد أحد يعلمنا كيف نصبح أفضل في التقليد، الأمر الذي يعتبر خطأ كبيرا عندما يكون هذا، أكثر من أي شيء آخر، هو الفرق بين النجاح والفشل.

وحيث إننا نشعر بالخجل والعار من التقليد، فإننا نطلق عليه أسماء جميلة مثل ''الممارسة الأفضل'' و''الإرشاد''. لكنني لست غبية. فالتقليد أكبر من الإرشاد، ومن الأصعب حتى أن يأتي به المرء بشكل جيد.

آمل أن تعتبروا أن هذا العمود مثال على التقليد الجيد بشكل معقول. وفي المقابل، بدأت أعتقد الآن أن الإمساك عن كأس المشروب كان تقليدا باليا. وكان سيرفع معنوياتي ويضخ مزيدا من الأموال النقدية في الاقتصاد الآخذ بالضعف.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية