المقالات

الخشية من الأعداد الصغيرة

يعنى هذا الكتاب بالبحث في ممارسات العنف التي انتشرت مرافقة للعولمة منذ وصلت ذروتها في أواخر ثمانينات القرن العشرين، وفي الدوافع الثقافية التي تقف وراءها، ويتطرق إلى طبيعة العلاقات بين هذه الممارسات وظاهرة العولمة، باعتبارها أسلوبا صارت تنظم من خلاله الدول والأسواق والأفكار، فهو يعرض كيف أن العولمة تزيد في إثارة الارتياب حول الحد الفاصل بين ''نحن'' و''الآخر'' وتولد بواعث جديدة للعنف الجماعي، وتقوض حدود ونفوذ الدولة - الأمة، فنحن نعيش اليوم في عالم يتسم بغزارة إنتاج العنف وظهور أنماط جديدة من التنظيمات السياسية التي لا تحتكم للقوانين التقليدية للسياسات والدول، عالم يصفه المؤلف بأنه يملؤه الارتياب والشعور بعدم الاكتمال، ويغلب عليه الخوف والغضب تجاه المجموعات الصغيرة التي تستمد منها أبلغ معانيها من أن تكون موضوع خشية أو غضب، وقد تطرح مسألة الغضب تجاه المجموعات الصغيرة العدد في أي حقبة من التاريخ، ولكن المؤلف يطرحها في إطار العولمة الذي ارتبطت فيه الأحداث بخطاب الإرهاب، ونسجت خلاله علاقات جديدة تربط السياسات الوطنية والتحالفات الدولية والتوترات الإقليمية لترسم خرائط جديدة وتشكل تضاريس جغرافية الغضب. ثمة ظواهر عالمية جديدة مختلفة عما هو سائد ومعروف في الانطباع الأولى لدى الحديث عن العولمة، مثل المنظمات الدولية، فهناك أيضا العولمة الشعبية، والحركات والمنظمات غير الحكومية المشتغلة بحقوق الإنسان والفقر والتنمية والبيئة والأمراض والإيواء، وبعبارة أخرى ثمة آمال وفرص في العولمة يمكن انتزاعها ومختلفة أيضا عن إفرازات العولمة الكريهة مثل العنصرية والإبادة والإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر من الإبادة العرقية إلى الإبادة الجماعية شهدت العولمة مجموعة كبيرة من جرائم العنف المرتبطة بدوافع ثقافية، وفي رصده للأحداث بين عامي 1998 - 2004 لاحظ المؤلف مجموعة من هذه الجرائم في الهند وأوروبا الشرقية وإفريقيا، وهناك بالطبع العمليات الإرهابية والحرب على الإرهاب التي شغلت العالم، لدرجة أن عقد التسعينيات من القرن العشرين يمكن تصنيفه بأنه عقد العنف المفرط، والسؤال الذي يفرض نفسه بطبيعة الحال هو ما الذي يجعل فترة التسعينيات وهي ما يمكن تسميتها أيضا بفترة ''العولمة القصوى'' هي نفسها فترة العنف المنتشر على قطاع واسع في عدد من المجتمعات والنظم السياسية المختلفة؟ يقول المؤلف إن العالم اجتاحته مع ذروة العولمة مجموعة من النظريات والآمال المفرطة بالوعود والتفاؤل حول انفتاح الأسواق وتحرير التجارة وانتشار المؤسسات الديمقراطية والدساتير الليبرالية والإمكانات الهائلة للإنترنت والتكنولوجيا الافتراضية المتعلقة بها، .. ولكن ما الذي جعل عقدا غلب عليه فتح الأسواق والتدفق الحر لرؤوس الأموال والتمويل والأفكار الليبرالية والحكم الدستوري والحكم الرشيد والتوسع النشط لحقوق الإنسان يفرز أيضا التطهير العرقي والعنف السياسي ضد المدنيين؟ يفسر المؤلف ذلك بملاحظة أن الانقلاب إلى النزعة القومية العرقية وحتى إلى الإبادة العرقية في السياسات الديمقراطية يرتبط ارتباطا وثيقا بخاصية التبادلية الداخلية الغريبة لفئتي الأغلبية والأقلية، في الفكر الاجتماعي الليبرالي، وهو ما ينتج ''قلق عدم الاكتمال''، فيمكن أن تتحول عديد من الأغلبيات إلى نزعة مفترسة تنتهج الإبادة العرقية تجاه القلة، وتحديدا عندما تقوم هذه الأقليات وعددها القليل بتذكير هذه الأغلبيات بالفجوة الصغيرة بين وضعها كأغلبية وافق الكل الوطني المكتمل والعرق الوطني النقي الذي لا شائبة فيه، إن هذا الشعور بعدم الاكتمال يمكن أن يدفع الأغلبيات إلى نوبات من العنف ضد الأقليات. تزيد العولمة باعتبارها أسلوبا خاصا صارت تنظم من خلاله الدول والأسواق والأفكار التي تدور حول التجارة في إثارة العنف الوساع النطاق، فهي تفرز مسارا تصادميا محتملا بين منطق الارتياب ومنطق عدم الاكتمال، كل بشكله وقوة دفعه الخاصين به، وكما يبينه واقع الأمر في التسعينيات أفرزت قوى العولمة كظروف ملائمة لتزايد الارتياب الاجتماعي. ويختم المؤلف هذا الفصل بنظرة عامة على أكثر شكل للعنف العلني المسوق عبر وسائل الإعلام وملاحظة العنف المنظم باسم الدين والحرية والهوية والجنسية، مثل تسجيل خطف الضحايا على الفيديو، وفي بعض الأحيان تسجيل قطع رؤوسهم، وبعض هؤلاء الضحايا ليسوا أغنياء ولا مشاهير، فمنهم على سبيل المثال مجموعة من العمال الفقراء البائسين المهاجرين إلى العراق، وربما تكون الحالة تعبيرا عن أيديولوجيا أنتجها اليأس، وربما تكون أيضا رغم فظاعتها ردا على ما يتعرض له أناس آخرون ينتمي إليهم ''الإرهابيون'' من تعذيب وتصفية وإهانة. ثقافة الصدامات تبدو اليوم ظاهرة جديدة مرافقة للعولمة، وهي إفلات الحرب من مجال تدخل الدولة - الأمة وتجاوزها حدود الواقع المعقول، وطمس الخط الفاصل بين حرب الأمة والحرب داخل الأمة، فقد فاق عدد الحروب الأهلية عدد الحروب الخارجية، إنها حروب لا تعريف لها، سوى العدو، وكانت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) نوعا من الحروب التي لا معلن لها، أو هي عقد للحرب لم يتم إبرامه، كما أن هذه الحرب لم تكن حربا تديرها قوة لا اسم لها، إنها حرب يديرها نوع جديد من الإدارات لا يسعى إلى إقامة دولة ولا إلى معارضة دولة بعينها ولا يهتم بالعلاقات بين الدول، كانت حربا ضد أمريكا، ولكنها كانت أيضا حربا ضد فكرة مفادها أن الدول هي اللاعب الوحيد في الميدان، إننا كما يقول المؤلف نعيش عصر حضارة الصدامات العالمية وليس صدام الحضارات. كانت الحرب على الإرهاب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) حربا تشخيصية، تسعى لتحديد ''من هو العدو؟'' وتحديد من هم أنصار الولايات المتحدة، كان ذلك استفتاء دعت إليه آلة الحرب الأمريكية ذات النفوذ، وأيدها في ذلك عدد كبير من الحكومات في جميع أنحاء العالم إدراكا منها أنها تدافع عن نفسها، عن كيانها كدول تواجه خطر انحسار السيادة وربما تجنب النهاية والتهديدات المصيرية والوجودية التي تواجه الدول اليوم. العولمة والعنف تمثل العولمة موضوع جدل في كل مكان تقريبا، إنها تسمية لثورة صناعية جديدة بدأت حديثا مدفوعة بالتكنولوجيات المتطورة للمعلومات والاتصال، وبما أنها حديثة العهد (يقول المؤلف) فهي ترهق موادنا اللغوية لفهم كنهها ومواردنا السياسية للتحكم فيها، وسواء كنا في الشمال أو الجنوب فالعولمة تتحدى أقوى الأدوات التي نستخدمها للتحكم في الحداثة وهي اللجوء إلى التاريخ، فالعولمة مصدر قلق وتهديد للفقراء والأغنياء معا، المهاجرين والمونين والمهمشين والنخب والأغنياء، ونحن نبذل قصارى جهدنا لنرى العولمة مجرد مرحلة جديدة ووجها جديدا للرأسمالية أو الإمبريالية أو الاستعمار الحديث أو التحديث أو التطور، ولكنها حركة - يقول المؤلف - إنها محكوم عليها بالفشل! لأنها (العولمة) تطرح تحديات جديدة لا يمكن مجابهتها بسلوى عزاء التاريخ بما فيها سلوى تاريخ الأشرار وغزاة العالم، ويشكل هذا الحدس المبهم جوهر التحالفات المرتابة والمحاورات القلقة التي تحف بالعولمة حتى في شوارع سياتل وبراغ وواشنطن وأماكن أخرى، حيث الوضع أقل درامية. وهنا يلاحظ المؤلف ثلاثة أسباب تجعل المثقفين النقاد للعولمة يفشلون في فهمها، الدور الرأسمالي (خاصة في أشكال المضاربات) في عالم الاقتصاد اليوم، فهو أكثر سرعة في وتيرته وأسرع تكاثرا في حجمه وأكثر تجريدا في طبيعته وأكثر غزوا للاقتصادات الوطنية من أي وقت مضى في ما سبق من التاريخ؛ ونظرا لارتباطه الوثيق بالتصنيع والأشكال الأخرى للثروة الإنتاجية، فهو فرس بدون فارس محدد، ويتعلق العامل الثاني بالقوة الخاصة بثورة المعلومات في شكلها الإلكتروني، فالتقنيات الإلكترونية للمعلومات هي جزء لا يتجزأ من الأدوات المالية الحديثة التي تحتكم إلى قوى تقنية تترأس وبشكل واضح بروتوكولات تنظيمها، لذلك فليس لأحد أن يثبت أن الاقتصاد الوطني ما زال مشروعا يمكن تنميته تنمية مستدامة، وقد يعني ذلك أن السيادة القومية هي الآن مشروع غير ثابت لأسباب تقنية خاصة جديدة في نوعها ونطاقها، ويتمثل العامل الثالث في أشكال الثروة الجديدة الغامضة وشبه السحرية التي تولدت عن أسواق المال الالكترونية، والتي تبدو ذات مسؤولية مباشرة عن الفجوات المتزايدة بين الفقير والغنى حتى في أغنى دول العالم. الأهم من ذلك هو أن التحركات الغامضة لرأس المال المالي مرتبطة بالأشكال الجديدة لهجرة النخبة أو الطبقة الكادحة؛ مما يخلق توترات غير مسبوقة بين هويات الأصل وهويات الإقامة وهويات التطلعات بالنسبة لمهاجرين في عالم أسواق اليد العاملة فالحدود المالية القابلة للاختراق والهويات المتحركة وتقنيات الاتصال والمعاملات السريعة التطور خلق معا نقاشات داخل الحدود القومية وعبرها تدفع نحو إمكانيات جديدة لنشوب العنف. خشية الأعداد الصغيرة تحيط بالعنف والغضب حول الأقليات أحجية أساسية، لماذا تتعرض الأقليات إلى الغضب والعنف والتعذيب برغم أنها مجموعات صغيرة، يفترض ألا تشكل خطرا على الأغلبية؟ الخطوة برأي المؤلف لإدراك سبب خشية الضعيف تتم بالرجوع إلى مسألة ''النحن'' و''الآخر'' كما تطرحها النظرية السوسيولوجية الأساسية، حيث تعتبر هذه النظرية أن عملية تشكيل الآخرين الجمعيين أو ما ينتسب إليهم شرط ضروري لرسم حدود وديناميا ''النحن'' من خلال ديناميات التنميط ومقارنة الهويات، ويتولد هذا البعد المرتبط بنظرية كبش الفداء والصورة النمطية والآخر عن شعار التفاعلية الرمزية الذي يتوضح في أعمال كولي وميد، ويتوسط جوهر الفهم الفرويدي للنواميس التي تحكم المجموعة، بما في ذلك دراسته التقليدية عن نرجسية الفروق الصغيرة. ولكن المؤلف يرى تفسير الظاهرة فيما يسميه ''الهويات المفترسة'' المتولدة عن تواجد هويتين أو أكثر لها تاريخ طويل من الاحتكاك والاندماج وحدا معينا من التنميط المتبادل، وتتحول إحدى هذه الهويات إلى هوية مفترسة بتعبئة تعريف نفسها على أنها أغلبية مهددة، وهذا النوع من التعبئة هو الخطوة الأولى في تحول هوية اجتماعية أليفة إلى هوية مفترسة، هويات تدعي أن بقاءها يتطلب انقراض مجموعة أخرى، وكثيرا ما تكون الهويات المفترسة هويات أغلبية، أي أنها تركز على مطالب في صالح أغلبية مهددة، وهي في معظم الحالات أغلبية ثقافية أو لغوية أو عرقية تنشد ارتباطا حصريا أو شاملا بهوية الأمة، وغالبا ما يتمحور خطاب هذه الأغلبيات المعبأة حول إمكانية تحولها هي ذاتها إلى أقلية إذا ما لم تنقرض أقلية أخرى. قد يبدو مثال النازية حالة متطرفة للهويات المفترسة تختلف عن النزعات الأغلبية الليبرالية الحديثة مثل تلك التي ظهرت في الهند وباكستان وبريطانيا، وكلها أكثر تقبلا للاختلافات الاجتماعية، ولكنها جميعها برأي المؤلف تحمل في طياتها بذور الإبادة الجماعية؛ نظرا لارتباطها الدائم بأفكار حول تفرد العرق الوطني واكتماله. يبدو أن المقومات التاريخية لهذا التحول تشمل الاستيلاء على الدولة من قبل أحزاب أو جماعات وضعت رهاناتها السياسية على نوع من الأيديولوجية القومية العنصرية، توافر أدوات وتقنيات التعداد مما قد يشجع المجتمعات التي يتم إحصاؤها بأن تصبح نموذجا لفكرة المجتمع ذاته، وعدم التطابق المحسوس بين الحدود السياسية وهجرة الجماعات وعدد الجماعات البشرية، والذي يسفر عن تحفز تجاه المجموعات العرقية الأخرى المتروكة سياسيا أو الغرباء الذين يدّعون كونهم من نسب قريب، وحملات الترهيب الناجحة التي تستهدف الأغلبية العددية وتقنعها بأن وجودها مهدد بالفناء من قبل الأقليات التي تعرف كيف تستخدم القانون وكامل أجهزة السياسات الديمقراطية الليبرالية لتحقيق غاياتها الخاصة وإلى كل هذه العوامل تضيف العولمة طاقاتها الخاصة. لعل مايكل إجناتيف كان أفصح المحللين في إثارة مقالة فرويد الشهيرة عن ''نرجسية الفروق البسيطة'' لتعميق إدراكنا للمعارك العرقية في التسعينيات، وبخاصة في أوروبا الشرقية، فبحكم معرفته العميقة بتلك المنطقة يستخدم إجناتيف تبصر فرويد للديناميكية النفسية للنرجسية ليلقي الضوء على ما يجعل جماعات مثل الصرب والكروات يستنزفون حياتهم في الكراهية الشديدة المتبادلة، ما دام تاريخهم ولغاتهم وهوياتهم ظلت متداخلة تداخلا كبيرا على مدى قرون عديدة، وتلك ملاحظة مهمة يمكن توسيعها وتعميقها بالإشارة إلى بعض الأفكار المقدمة في هذا السياق. إن الفجوة الصغيرة بين وضعية الأغلبية كأغلبية والنقاء العرقي والقومي المكتمل أو الكلي قد تكون مصدرا للغضب المستشيط ضد المجموعات العرقية الأخرى المستهدفة، وهذا الطرح الذي يسميه المؤلف ''عدم الاكتمال'' يمكننا برأيه من توسيع تبصر فرويد ليشمل أشكال عنف معقدة وعامة وواسعة النطاق؛ إذ إنه يتيح لنا أن نرى كيف أنه في الأيديولوجيات العامة حول هوية المجموعة، يمكن للجروح النرجسية أن تصعد، وتصبح دافعا لتشكيل ما يسميه المؤلف ''الهويات المفترسة'' والمحرك الأساسي هنا هو خاصية التبادلية الداخلية بين فئتي الأغلبية والأقلية، فالأغلبية كمقولة تجريدية تنتجها تقنيات الإحصاء والتعداد والإجراءات الليبرالية يمكن تعبئتها دائما لتعتقد أنها مهددة بأن تصبح أقلية (ثقافيا أو عدديا) ولتخاف من أن تصبح الأقليات أغلبية بين عشية وضحاها، وهذه المخاوف المترابطة هي نتاج حديث للتبادلية الداخلية لهاتين الفئتين، وهي بدورها تشكل الظروف اللازمة لتحريك خشية تبادل المواقع بينهما. وهنا يأتي دور العولمة، فالعولمة تزيد في إمكانية حدوث بادل المواقع السريع بطرق عدة، فتجعل الحياة الطبيعية المفترضة للهويات مهددة على الدوام بسبب العلاقة التجريدية التبادلية بين فئتي الأغلبية والأقلية؛ إذ تزعزع حركات الهجرة العالمية عبر الحدود الوطنية وداخلها ارتباط الأشخاص بأيديولوجيات الأرض والوطن، وينشئ التدفق العالمي لصورة الأنا والآخر والتي تسوقها وسائل الإعلام وتحولها في بعض الأحيان إلى سلعة زخما متراكما من التهجين الذي يقوض الحدود الفاصلة بين الهويات واسعة النطاق، وتعمد الدول الحديثة إلى التلاعب والتغيير في طبيعة الفئات التي تحصيها والوسائل الإحصائية التي تعتمدها. ويثير الانتشار العالمي للأيديولوجيات الدستورية المستنبطة التي تستمد مقوماتها من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإنجلترا مناقشات معولمة جديدة حول العرق والأقليات والشرعية الانتخابية، كما نرى اليوم في العراق، وترتبط الطرق المتعددة والسريعة وشبه الخفية التي تنتقل من خلالها الأموال الطائلة بين الدول من خلال القنوات الرسمية والقنوات التجارية شبه القانونية والقنوات غير المشروعة ارتباطا وثيقا بالمؤسسات المعولمة لغسيل الأموال والتحويلات الإلكترونية والأشكال الجديدة للمحاسبة والقانون عبر الحدود والتي تشكل جميعها رأس المال المالي الذي يكاد يكون تعريفا لعصر العولمة، وتعتبر تحركات الأموال السريعة والخفية وغير المشروعة في كثير من الأحيان عبر الحدود الوطنية وعلى نطاق واسع وسيلة لجعل أقلية اليوم أغلبية الغد، كل هذه العوامل يمكن أن تسهم في تفاقم حالات الارتياب الاجتماعي، وبالتالي فإن الخوف من الأعداد الصغيرة يرتبط ارتباط وثيقا بالتوترات التي تنتجها قوى العولمة في النظرية الليبرالية الاجتماعية ومؤسساتها، فوجود الأقليات في عالم آخذ بالتعولم هو تذكير مستمر بعدم اكتمال النقاء القومي، وعندما تصبح الظروف في أي دولة وطنية، وخاصة في الظروف المحيطة بالارتياب الاجتماعي جاهزة لتعبئة عدم الاكتمال كنقص قابل للتصعيد يمكن إثارة عاصفة الإبادة الجماعية ولا سيما في الدول الليبرالية، حيث أصبحت فكرة الأقلية بطريقة ما قيمة سياسية مشتركة تمس جميع الأعداد كبيرها وصغيرها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المقالات