ريما: ما زلتُ أحب الحياة! رمضانيات - 4

|
* المكان الصين - إقليم جوانزو - مستشفى ''فودا''.. الزمان: الآن. هناك ريما. لماذا أتحدث معكم عن ريما؟ ستعرفون بعد أن تقرؤوا. تواصلت معها في التويتر، ثم بمكالمةٍ في ''السكايب''، من بدء المكالمة حتى نهايتها لم أستطع أن أتوقف من الضحك والابتسام.. وما الغريب أن يضحككَ شخصٌ؟ لا غرابة إطلاقاً، ولا هو بالأمر الذي ترتفع من أجله الحواجب لإرسال إشارات التعجب.. لولا أنّ ريما شابة من مكة المكرمة تعاني مرض الرحمة. وإني من النوع السريع الانكسار عاطفيا، أتأثر بسرعة، فقلبي مثل الشمع الذي يموع وهو يحتضن شعلةً هفهافة من نارٍ ونور. عرفتُ عن ريما من متابـِعةٍ راقيةٍ بالتويتر، ثم عرفت من متابعين عدة وتوالت الرسائل، فتابعتُ تغريدات البنت التي بالصين، المغتربة للعلاج من مرض عنيدٍ ومتكرر الهجوم ومبعثرٍ للتركيب الخلوي الحي. وكنت أغالب الضحك من ردود وتعليقات ريما بالتويتر، وقلبي الشمعي يؤنبني: ''عليك أن تهتم، عليك أن تحزن من أجلها.. وعليك أن تقنع الدماغَ بعدم استقبال الطُرَف التي تأتي من ريما كما تُسْتـَقْبـَلُ الطـُرَفُ والتعليقاتُ اللاذعة، إنما باستقبال الانقطاع الرحيم من أجلها، حتى يُقْنِع الدماغُ بموصّلاته منابعَ الدموع كي تسيل من المآقي، وتسيح على وديان بشرة مستعدة لاستقبال قطرات الحزن..''. كلمتُ ريما والقلبُ مثقل والخفقات تتصاعد، فهذه الفتاة العجيبة فيها من الذكاء والدهاء الساخر، ما يجعلك قبل أن تتواصل معها تقف أمام عتبات الانغلاق الإنساني لما يكون مفتوحا بالطريقة المضادة، فمن الغموض ألا تتضح الأشياء، على أن الأكثر غموضا أن تتضح الأشياءُ ولكن على نقيض توقعاتها. ''الآن'' - أحدثُ نفسي - ''سأتبادل الحديثَ هاتفيا مع ريما. كيف أعد نفسي ونفسيتي؟ نجحت ريما في سلب تلقائيتي الاستجابية''، والتلقائية الاستجابية أن يكون لكل حدَثٍ شعورٌ مسبقُ الإعداد يخرج من أرشيف الدماغ لموائمة موضوع الحدث.. ريما أربكت تلك التلقائية، ولا أدري هل كبّلتها؟ هل موّهت عليها؟ أم حبستها في روح تنحبس معها الأرواحُ بمجَسّاتٍ تنطلق نحو اتجاهٍ واحد: إلى أعلى، إلى سمواتٍ مفتوحةٍ بالإيمان الأسني، والأمل الأعظم.. والتفاؤل الذي - بإذن الله - سيفلّ من ضراوة أعدى أعداء البشرية.. هاتفت ريما، ولا أدري ما أستعد له وما أتهب من أجله، إني كمن سيثبِّتُ قدماً ويُطوِّحُ بالأخرى في المجهول. ومن أول كلمة، من أول نبرة صوت.. غلبتني ريما تماما، وجعلت قلبي الشمعي يتماسك، والذي تعِب هو فكي.. تعب من كثرة الضحك والابتسام. كل خبر عن المستشفى بتعليقةٍ ملتويةٍ منها مفاجئة، وكل نقاش بمناكشةٍ ارتدادية، وكل معلومةٍ مدسوسةٍ بمصطلحات التقنية وألعاب بني اليابان الإلكترونية.. فريما تعيش بعالم ألعاب وشخصيات الصور والألعاب المبرمجة اليابانية، ولم يخلُ حديثها من جمل يابانية كاملة. هه، ماذا أقول؟ غصباً عني والله، أنهيت المكالمة أمسح دموعي، لا لم تكن الدموعُ المتوقعة للتأسّي وهي سهلة الإدرار عندي، وإنما دموع الضحك.. شفاك الله يا ريما، كده يعني؟! وريما تُسعد آلاف متابعيها وتفيدهم وتعلمهم بما تسميه بالإيجابية المشرقة، ولمّا تأخذهم واردة حزنٍ ترد عليهم باللهجة المكاوية: ''ليه؟ أنا إيش علمتكم؟ هو أنتم ما زاكرتوا؟''. وتخبرهم عن حالتها، والإجراءات الطبية حولها، ومستويات المناعة والاستجابة في جسدها لحظة بلحظة مع تأملاتٍ أحياناً محشوّة بكريماتٍ من السعادة الكثيفة، ومرّات بلمحاتٍ ساخرةٍ تتجلّى فيها عبقريةٌ ساخرة، وقلبٌ شجاع، ونباهةٌ يقِظة. ريما فتاة مستعدة أن تحارب للنهاية؛ لأنها ببساطة لا تؤمن بنهايات ولا بدايات، إلا بما قد كُتِبَ وطـُوِيَ في سجل المشيئة الربانية، إنها تقول: ''لست بمتشائمة إن تحدثتُ عن الموت فإني أدّخر الكثير هناك عند ربي، وأشتاق إلى رؤية ما عملتُ له وصبرت عليه هناك في الجنة، وأيضا ما زلت أحب الحياة.. وأحبها جداً..'' ولم تُدِرْ عبارةٌ الدمَ بعروقي بسرعة النيازك السابحة مثل هذه العبارة. ريما ترى نفسها في مواجهة تحد لا حزن فيها ولا انكسار عاطفيا وإنما سعي للنصر، وكأن روحَ محاربٍ أسطوري تلبّس إرادتها، وتصف ذلك: ''أشعر كأني جندي في معركة يعيش يومه بكل تحدياته وأحداثه، يرى الموتَ ويصارعه، ليس يعلم ما الذي تخبئه له ليس اليوم التالي ولا الساعة التالية، بل الدقيقة التالية!'' وتتوجه بالدعاء: ''اللهم إني خضتُ ستَّ معارك مع مرَضي، وبقيتْ معركتان فاكتب لي في هذا الشهر الكريم النصر النهائي''. الآن عرفتم لماذا أكتب لكم عن ريما، ليس لأنها حالة فردية، بل لأنها إلهامٌ جماعي. فأنا الذي تواصلت معها في البداية، غيري بعد أن أنهيت معها المكالمة، لقد شُحِنتُ بأعماقٍ أبعد لمعاني الحياة والإيمان والتفاؤل عندما تكون محكـّاً أمام سيول الألم. ريما علمتني: ''من لم يذق الألم فهو لم يعرف لذة الحياة..'' يا الله!
إنشرها