ماهر الماجد.. صبرا إنها مرارة الموت

بدر الخريف
مرارة الموت تترسب طويلا في قاع أنفس من فقدوا عزيزا، وعندما تختطف أيدي المنون هذا العزيز سواء كان زوجا أو ولدا أو أبا أو أما أو أختا أو صديقا فإن الفاجعة تأتي عادة كبيرة، ومؤلمة، وتظل دموع الحزن تنهمر مختلطة بدموع الذكرى التي تثير لواعج القلب وتنشج نشيجا سوداويا موحشا، بل تتعدى درجات الحزن ما هو سائد ومألوف لتبقى فجيعة فقد عزيز حية نابضة لسنوات طويلة، وتظل الدموع تنهمر من عيون متقرحة، يتولى الأرق المفجوعين، ويبدو الليل كأنه ليل سرمدي تظهر نجومه طالعة أبدا. بالأمس اختطفت يد المنون على حين غرة الشابة (عهد المحسن) زوجة الشاب ماهر إبراهيم الماجد أثناء عودتها إلى منزلها من عملها في مدينة الملك فهد الطبية للحاق بإعداد وجبة الإفطار لها ولزوجها وإعداد عصير لطفلهما (هيثم) ذي العام ونصف العام. قبل الوصول إلى منزلها، وبعد أن أنهت مكالمة مع زوجها، انحرفت السيارة التي تستقلها مع السائق لتلافي مركبة يقودها بسرعة سائق متهور لترتطم سيارتها بعمود إنارة ليموت السائق على الفور، وتنقل الشابة إلى مستشفى المملكة الأقرب إلى مكان الحادث، وبدلا من أن يستقبل زوجها مكالمة من زوجته جاءته مكالمة من المستشفى لتبلغه بضرورة الحضور: لقد تعرضت زوجتك لحادث وها هي أمامنا تصارع الموت ومحاولات يائسة لإنقاذها. أسرع ماهر بالحضور وأبلغ شقيقه الدكتور محمد الاستشاري في مستشفى الملك خالد الجامعي بما حصل، وقد حضر بفريق من الأطباء إلى المستشفى. وفي لحظات من اليأس القاتل في غرفة الطوارئ بمستشفى المملكة، حيث تحلق الجراحون والأطباء على المصابة قرروا ألا فائدة، لقد انتهى كل شيء لتضج المنازل بالعويل والبكاء على رحيل شابة لم يمض على زواجها سوى أربع سنوات، وقد خلفت طفلا عمره عام ونصف العام، الذي كان ينظر إلى أبيه وأجداده لأبيه وأمه وأعمامه وعماته وأخواله وهم يحتضنونه وقد اختلطت دموعهم بقطرات العصير التي تخرج من فمه وتتساقط على وجهه البريء دون أن يعي ما يجري حوله، ودون أن يعلم أن الزمن كتب عليه يتما مبكرا لفقد أمه. في ساعة متأخرة من ليلة يوم الحادث هاتفت ابن أختي ماهر إبراهيم الماجد لمواساته، كان في المستشفى ينهي إجراءات الوفاة والدفن، بدا لي متماسكا وأكثر جلدا وصبرا مع أنني أعلم أنه يعيش صدمة الرحيل المفاجئ وما زال في حيرة إزاء ما حدث. قال لي: إنه سيذهب إلى منزله، أردت أن أثنيه عن ذلك لأنني أعلم أن الفجيعة ستبدأ تنسج فصولها عندما يرى كل تفاصيل المنزل الذي تركته الراحلة، وحينها سيأتيه اليقين أن شريكة حياته لسنوات قصيرة كانت هنا قبل ساعات وأنها لن تعود، ومعها سيشعر بالخذلان والانكسار وستبدأ مرارة الموت تترسب في قاع نفسه ليقف من عودتها إلى منزلها وطفلها أمام جدار المستحيل ولم يجد مناصا من كل ذلك سوى زفرة يطلقها كأنها شبح احتضار أو عويل إنسان مسيّر في الحياة بقدر مشؤوم. صبرا ابن أختي على مصابك، مع أنني أجزم بعظمة الفقد وحجم الذهول ومساحة الحزن التي تركتها الراحلة في قلبك وقلوب أهلها ومحبيها.
إنشرها