الأزمة المالية العالمية كشفت عن مواطن الضعف في الاقتصاد العالمي، وفي المقدمة الاقتصاد الأمريكي الذي بدأت الأزمة في بنوكه وشركاته وطالت بقوتها اقتصادات الدول الأوروبية وغيرها من الدول، ولكن أكثر ما يزعج الأوروبيين هو خضوعهم لتقييم وكالات التصنيف الائتماني الأمريكي، التي قست كثيراً على تصنيف الملاءة المالية لبعض دول الاتحاد الأوروبي، ومنها البرتغال واليونان؛ فقد كانت مفاجأة للأوروبيين وبعد كل الجهود التي بذلوها من خلال المفوضية الأوروبية أن تقوم وكالة (مودا) الأمريكية بخفض تصنيف السندات اليونانية إلى عديمة القيمة، وهو ما يعني أن مبالغ تلك السندات التي تمثل دَيناًً عاماً على الحكومة اليونانية لا تساوي قيمة الورق الذي كتبت عليه تلك السندات.
أما البرتغال فقد نالت نصيبها من التقييم في وقت سابق تضمن التحذير من أزمة مالية خانقة ستصيب الحكومة البرتغالية وتجعلها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها، في حين يرى الأوروبيون أن البرتغال لا تزال في المراحل الأولى لخطة التقشف الذي طالبت به المفوضية الأوروبية قبل الحصول على حزمة إنقاذ مالية تجنبها أزمة مالية كتلك التي اجتاحت اليونان وكبّدت مجموع الدول الأوروبية ما قيمته 78 مليار يورو، أي ما يعادل 112 مليار دولار أمريكي، وهي بحسب وجهة النظر الأمريكية ممثلة في وكالات التصنيف ليست سوى حزمة أولى ستتبعها حزمة ثانية وربما ثالثة.
ويبدو أن توابع الأزمة المالية العالمية صنعت جواً من التنافس على البقاء بأقل الأضرار الممكنة، لكن الدور الذي قامت به وكالات التصنيف الأمريكي هو الكشف عن المستور وتسليط الضوء على ما بدا من عورات الاقتصاد الأوروبي الذي ينافس بقوة في عملته الموحدة الدولار الأمريكي كبديل في التعاملات الدولية، وهي إن كانت حلماً للأوروبيين إلا أن حلمهم لن يكون قريب المنال، فالاتحاد الأوروبي لا يملك مخالب حينما يصطدم مع منافسة الأمريكي؛ ما جعله ضعيفا في مواجهة غير عادلة لا يملك فيها سوى الخضوع للتقييم الأمريكي الذي لا يمكن أن يستبعد روح المنافسة في أي عمل موضوعي، فما دام يملك القدرة على إضعافه فلن يتردد في ذلك.
من هنا جاء تصريح رئيس المفوضية الأوروبية من أنه يتوقع أن تواجه وكالات التصنيف الأمريكية الثلاث منافسة أوروبية قريبة؛ لأن أوروبا فيها الكثير من الكفاءات القادرة على المنافسة، وهو في تصريحه يحث ضمناً على ذلك التوجه نحو محاولات إنشاء وكالة تصنيف أوروبية في المستقبل المنظور ليس مهمتها تقديم الأخبار السارة، بل تقديم الحقيقة كما هي، فالوضع المالي والاقتصادي في الحكومات والشركات يجب أن يكون موضوعياً قدر الإمكان؛ لأن منطقة اليورو عانت تصنيفاً ائتمانياً سلبياً يركز على نقاط الضعف متناسياً حجم الدعم الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي للدول التي تعاني أزمات مالية تؤثر سلبا في مسيرتها الاقتصادية.
ومن المؤكد أنه منذ بداية الأزمة المالية العالمية، وهناك غضب لدى القادة في أوروبا؛ فالبنوك الأوروبية لم تواجه موجة إفلاس، كما واجهت البنوك الأمريكية، كما أنها لم تكن سبباً في أزمة ديون معدومة أو تعثر كبير في تحصيل حقوقها، ويرجعون ذلك إلى تلك الثقافة المصرفية الرصينة التي تكوّنت مع الزمن وقدّمت للعالم خلاصة خبرات مميّزة تتسم بالتوازن بين الربحية والخطر، كما أن للأوروبيين نظرة إلى مسألة الديون على بعض دول الاتحاد الأوروبي، حيث تتم مواجهتها بخطط تقشف وإنقاذ، ورغم ذلك فهذه الديون لا تقارن مطلقا بحجم الدَّين الأمريكي العام الذي قارب 13 تريليون دولار، وهو رقم يتصاعد. أما العملة الأوروبية الموحدة فهي تحقق مكاسب في سوق العملات، وخصوصا في مواجهة الدولار، الذي تجاوزه اليورو في أسواق الصرف؛ ولذا وغيره من الأسباب فإن للأوروبيين الحق في إنشاء وكالات تصنيف تنطلق من أوروبا وتضع في اعتبارها أن مهمتها ليس تقديم الأخبار السارة، لكن التصنيف وفق قواعد موضوعية متوازنة.
