حين انتقلت من لندن عام 2005 للعيش والعمل في الولايات المتحدة كنت كمن ولد مجدداً، معجباً بالشعب الأمريكي، والمشروع الأمريكي، ونظام الحكم الأمريكي. ولم أكن احتمل وجهة النظر القائلة إن البلاد تدخل في سنوات ما قبل الغروب. وكنت مقاتلا متحمساً ضد القائلين بانحسارها وأفولها.
بعد ست سنوات أصبحت لديّ أفكار أخرى. ولست مستعداً تماماً للارتداد، لكن كأي مراقب ذي عقلية معتدلة، فإنني معجب بتصميم واشنطن على إثبات أن المتشائمين على حق.
يمكنك القول إن مأزق سقف الدين الذي يشجع مثل هذه الأفكار أمر خارج عن المعتاد ولا يمثل قاعدة للتوقعات. وينبغي الاعتراف بأن المأزق حالة متطرفة، لكن بغض النظر عن طريقة حله، فإن الكونجرس والبيت الأبيض نقلا عدم المسؤولية المالية إلى مستوى جديد. بكلام آخر، الاختلال في واشنطن الآن حاد إلى درجة أن كثيراً من مجالات صنع السياسة أغلقت.
على الدوام كان لدينا، نحن المعادين للقائلين بغروب شمس البلاد، إجابتان لمثل هذه النوع من الكآبة. الأولى، أن نقاط القوة الرئيسية للاقتصاد الأمريكي ليست لها علاقة بواشنطن، وهي تظل غير معتمة. والثانية، أن مؤسسي البلاد ضمَّنوا عدم الفاعلية في الدستور بصورة متعمدة، لأنهم أرادوا الإبقاء على إمكانية مراقبة وضبط الحكومة الفيدرالية. وجادلنا بضرورة تجاهل الضجة والغضب في كابيتول هيل. وبأن عدم قدرة واشنطن، إن شئت تسميتها بذلك، كانت جزءا من معادلة نجاح الولايات المتحدة - انظر إلى أي مدى نجح هذا التصميم.
#2#
ما زال هناك كثير من الحقيقة في كل من الحجتين. إن المعين الذي لا ينضب لنجاح الولايات المتحدة هو ثقافة تؤكد، كما كانت منذ البداية، على العمل الجاد والاعتماد على الذات والرغبة في تحسين وضع المرء وأسرته والحاجة، بين الحين والآخر، إلى الإقدام على المخاطر. هذه الثقافة داعمة بشكل فريد، للجهد والابتكار وريادة إنشاء المشاريع. ويمكنني، حتى الآن، أن أرى أن هذه المجالات تظهر علامات قليلة على الضعف.
إن الحكومة قليلة التدخل كانت شرطاً آخر لنجاح الولايات المتحدة، والدستور نصّ على ذلك. لكن حسب المعايير الأوروبية، الضوابط والتوازنات أبقت الحكومة الاتحادية مقيدة. وربما يكون الأكثر أهمية أنهما منعتا التحركات البندولية العنيفة للسياسات التي وقعت في إسارها الديمقراطيات غير الخاضعة لمثل هذه الضوابط - فكّر في بريطانيا في عقود التعثر التي شهدتها عقب الحرب العالمية الثانية.
فما الذي تغير؟ أولاً، الاستقطاب السياسي في واشنطن، وفي البلاد عموماً، أضعف القدرة على الحكم كثيراً. وثانياً، الولايات المتحدة تواجه تحديات تختبر هذه القدرة المتقلصة بطرق جديدة.
لقد قصد المؤسسون التأخير، واللجوء إلى التداولات والحلول الوسط - وليس الشلل. وكان عدم القدرة الجديد يبرهن على وجوده بذاته خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة. ومأزق سقف الديون مثال واحد فقط. فقد تم هذا الأسبوع الاستغناء عن آلاف العمال بسبب الفشل في تجديد سلطة تشغيل إدارة الطيران الاتحادي - وهذا انهيار آخر على صعيد العمل بين الحزبين بالكاد يستحق الذكر في النشاط الروتيني للجهاز التشريعي.
ولم يتم شغل وظائف قيادية في الحكومة لأن الإدارة لا تستطيع الحصول على موافقة الكونجرس على مرشحيها. ورفض توفير الدعم المالي يشكل سلاحا آخر. وتواجه مساعي الإدارة لإصلاح الرعاية الصحية حملة شرسة من الاستنزاف القانوني، والإجرائي، وعلى صعيد الميزانية.
وإذا انعكست المراكز، سيشعر الديمقراطيون أنهم مخولون إعاقة الإنجازات التشريعية لأعدائهم بأي وسيلة ضرورية. في الماضي كان هناك عدد من الديمقراطيين المحافظين والجمهوريين الليبراليين في الكونجرس لدعم حلول وسط بين الحزبين. ذلك المركز اختفى الآن، على الرغم من وجود "عصابة الست" في مجلس الشيوخ. وبدلاً من الدفع باتجاه الحل الوسط، تدفع ضوابط وتوازنات الدستور باتجاه المأزق. وإذا تحولت سياسات مثل دود - فرانك، أو مشروع قانون الرعاية الممكن تحملها، إلى قوانين فإنها تفتقر إلى الدعم الواسع، ومن المتوقع أن يلغيها الكونجرس المقبل.
هذا التدهور في الحكم الرشيد سيكون مثيرا للقلق بحد ذاته. إلا أن المشاكل التي تواجه الولايات المتحدة تغيرت أيضا. وفي كثير من الأحيان في الماضي، لم يكن العجز الصاخب استجابة سيئة للأزمات المفترضة. والآن لم يعد هذا صحيحا. فعلى جبهات عدة "عدم فعل شيء" يشكل الآن وصفة لتدهور محتمل. وهناك حاجة إلى العمل المستمر الهادف. والحكومة الفيدرالية أقل قدرة على التصرف بذكاء، تماما في الوقت الذي هي في أمس الحاجة إلى ذلك.
والميزانية أحد الأمثلة. فالجميع يدرك أنه وفقا للسياسات الحالية تتجه الولايات المتحدة نحو انهيار في المالية العامة. وبعد أشهر من اتخاذ المواقف على كلا الجانبين، فإن النتيجة الأكثر احتمالا للصراع حول سقف الدَّين هي حل مؤقت مرتبط بوعد بمواجهة المشكلة مرة أخرى. صحيح أن هذا أفضل من التخلف عن سداد الدين، لكنه ليس جيدا بما فيه الكفاية.
ولا تزال الخلافات قائمة حول أساسيات سياسة الرعاية الصحية، بل لا تزال بعيدة تماماً عن التسوية. وما لم تتمكن واشنطن من شفاء نفسها، فإن الفوضى الناتجة عن ذلك ستزداد سوءاً - والرعاية الصحية تكلف الولايات المتحدة الآن نحو خُمس ناتجها المحلي الإجمالي.
ووفقا للمعايير الدولية، فإن نظام المدارس في الولايات المتحدة فاشل. والنظام الضريبي الأمريكي، بعد 25 عاماً من الترقيع غير الفعال، مثير للسخرية. وأفضل ما يمكن للمرء أن يقوله عن سياسة الهجرة الأمريكية هو أنها تجعل النظام الضريبي يبدو جيدا. ولا أحد ينكر ضرورة العمل، لكن النظام لن يتزحزح.
من جانب، هناك الطاقة التي لا مثيل لها والطموح الكبير لدى العامل الأمريكي. وعلى الجانب الآخر هناك شعور واشنطن بالتهاون الذي لا مثيل له، وثقتها التامة بطهارتها وعقليتها الدموية. لم أعتقد قط أنه سيأتي يوم أقول فيه هذا، لكني بدأت بالتساؤل أي الجانبين هو الذي سيسود؟


