في كل مقتبل إجازة صيفية غالباً ما يحار الناس أين يذهبون؟ هذه الحيرة ليست من تقاليد الغرب، نظراً لأن البُعد السياحي عندهم مثل سائر الأبعاد يخضع للتخطيط والبرمجة، فيما نحن في عالمنا العربي لا يفصل بين الفكرة والتنفيذ إلا خطوات يفرضها واقع موعد الإجازة نفسه، وهو طبعاً سلوك ناجم عن حداثة النشاط السياحي من ناحية وعن تعاملنا مع الوقت ومع المال وكيفية تنظيم ذلك، فالعشوائية والتواكل يضربان أطنابهما بيننا إلى حد كبير، وقلة من الناس يخططون لأسفارهم وأماكن سياحتهم مثلاً.
هذا المنحى في التعامل مع ثقافة السفر والسياحة يجعل كثيرين يقعون فوق الحيرة واللهاث بين المكاتب وحجوزات الفنادق وما إلى ذلك، يقعون فرائس التغرير بهم وتوريطهم في برامج سياحية تتنافر مع طبعهم أو تدفع بهم إلى بلدان لا يجدون فيها ما يروحون به عن أنفسهم كما يشتهون، أو يجدون أنفسهم في فنادق أو شقق أو نزل غير لائقة، أو يكتشفون أن التكاليف هناك أقل مما دفعوه هنا، فضلاً عن مطبات مواعيد السفر وتوريطات حجوزاتها التي قد تضطر البعض إلى شراء تذاكر جديدة.
هذا التغرير يكاد يكرر نفسه بوتيرة مستمرة، يفسح من ينجو منها بعد الاكتواء بنار التجربة مجالاً لسواه للوقوع فيها، وربما يقع هو فيها من جراء تبدل أسلوب التغرير والنصب والاحتيال .. وطبعاً ما من سبيل للحد من ذلك سوى أن يتنبه الأشخاص أنفسهم في تعاملهم مع إجراءات السفر والسياحة والتحوط والتوثق بالسؤال والإلحاح في السؤال عن كل شاردة وواردة واللجوء لاستشاره الخبراء في هذا الشأن.
ونظراً لأن إجازة هذا العام تأتي في ظروف عربية غير مواتية، حيث تعاني بعض بلدان العرب عدم استقرار من جراء الثورات في بلدانها يصبح التغرير هنا أشد تكلفة وخطراً في الوقت نفسه، وقد يجد البعض ممن اعتادوا السفر لبعض هذه البلدان من يزين لهم الأمر ويؤكد أن الأوضاع السياحية لا شأن لها بكل ما حدث، وأن الدنيا رائعة، والأمن مستتب، وكل شيء على ما يرام، بل قد يعزز الادعاء بمنح مزايا لم تكن متوافرة قبل اليوم، وما إلى ذلك من أساليب التغرير التي لا يهمها سوى المال ولا شيء سوى المال.
من هنا تفهم تحذير المسؤولين الحكوميين والمختصين للعائلات السعودية بعدم الذهاب لتلك البلدان العربية التي شهدت اضطرابات وتوجيههم إما نحو السياحة الداخلية أو إلى خيارات آسيوية في ماليزيا وإندونيسيا وفي تركيا وبعض دول أوروبا مثل النمسا وسويسرا مع التأكيد على أخذ الحيطة والحذر في كل حال.
السياحة .. ثقافة روحية مهمتها يتضافر فيها عاملا المتعة والفائدة، الاثنان معاً يكونان سلاماً نفسياً ننشده في حياتنا على الدوام .. وكي يتوافر نصيبنا من هذا السلام النفسي وتجنبه ما يعكره صفوه فينا .. علينا أن نحسن التخطيط لسفرنا والاختيار ومعهما نحسن شحذ حاسة الاستشعار عندنا حتى لا نقع في تغرير من أي نوع ومن أي مصدر .. فما حك جلدك مثل ظفرك!!
