يجمع أغلب المشرعين والقانونيين في العديد من الأنظمة ومختلف التوجهات والمدارس على أن وعي الناس بأهمية القانون أو النظام وفهم فلسفة المشرع والحكمة من تشريع النظام أهم بكثير من إيجاد تشريعات جديدة وتنظيمات تكفل القدرة على تطبيق الأنظمة وسن القوانين المساندة واستخدام القوة الجبرية في تطبيقها.
لذلك من المهم جداً أن تعي الأمم المتقدمة والتي تسعى لتطوير ذاتها ومواكبة الدول الحديثة، بأهمية نشر ثقافة الوعي بأهمية ذلك النظام وضرورة تطبيقه واحترامه، حيث يبرز الدور الإعلامي في نشر تلك الثقافة على عامة الناس بالوسائل كافة التي تخاطب مستوى ثقافة رجل الشارع العادي وكذلك المثقف صاحب التعليم العالي.
وقد رأينا كيفية احترام الشعوب في الدول المتقدمة للقانون والأنظمة بكل أريحية وسعة، لأن الفكرة التي انغرست، بسبب نشر التوعية الصحيحة، في نفوس العامة بأن هذا النظام أو ذاك القانون وضع لأجل حماية الناس وحماية مصالحهم وحفظ حقوقهم كافة وإيضاح الواجبات والالتزامات التي تقع على عاتقهم، وانطلقت بعد ذلك عجلة التطوير والبناء إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه.
وعلى الصعيد المحلي نجد النقيض تماماً لدى الغالبية، وليس الكل، بهذه الثقافة والوعي بأهمية ذلك النظام، حيث تولدت قناعات لكثير من العوام بأن هذا النظام أو القانون وجد للتعقيد ولعرقلة مصالح الناس، لذلك يحاول ويبذل جهداً مضاعفاً في التفكير لإيجاد الفرصة المواتية لتجاوز ذلك النظام أو مخالفته بأي طريقة كانت للوصول لمبتغاه، غير مبالٍ للآثار التي قد تترتب بسبب مخالفته وتجاوزه لذلك النظام، وثقافة المجتمع السعودي المرورية وقوانين السير خير دليل على ذلك.
فكثرة الحوادث والمخالفات التي بلغت أرقاماً مخيفة جداً وضحايا ووفيات وخسائر مادية أرقام فلكية سبقنا فيها الأمم المتقدمة، ما هي إلا شاهد حي على مدى الفهم الضعيف لأهمية وحكمة تلك الأنظمة، على رغم من بذل جهود جبارة وقوة جبرية رادعة، إلا أن الفكر المنغرس في عقول العوام يحتاج إلى سنين لبناء فكر واع ومجتمع يحترم الأنظمة، التي بدورها توفر له الحماية لحقوقه كافة وتوضح واجباته كافة.
ومن المثير للاستغراب أن المواطن السعودي من أكثر الناس احتراماً لأنظمة الدول الأخرى في حال تواجده فيها، ومنسجماً كالمواطنين العاديين باحترام الأنظمة والقوانين كافة وقد يكون مبالغاً في بعض الأحيان في كثرة حفاظه على النظام في الخارج.
لذلك فالعمل صعب جداً ولكن ليس بالمستحيل، فمتى ما تمت تهيئة البيئة المناسبة لنشر تلك الثقافة والوعي والعمل كمنظومة متكاملة وشراكة مستدامة بين كافة الجهات المعنية، الإعلامية والتربوية والأمنية ستنجح حتماً في المستقبل، ولا يمكن المبالغة في أن نقول إن المجتمعات الأخرى مجتمعات مثالية ولدينا غير ذلك، بالعكس، فالمجتمع السعودي محافظ في عامته منضبط بالفطرة بتعاليمه الدينية والوطنية وهذه عوامل مهمة لنشر الوعي المطلوب بأهمية احترام وتطبيق النظام.
مستشار قانوني
