أسعار العقارات في السعودية .. متى يتم التصحيح؟

لا شك أن القطاع العقاري السعودي يعد من أكبر القطاعات الاقتصادية في المملكة العربية السعودية، فهو يحتل المرتبة الثانية بعد قطاع النفط والبتروكيماويات ويعد المحرك الأول لعدد كبير من الأنشطة الإنتاجية والخدمية الأخرى في الاقتصاد الوطني، إلا أن الفوضى التي يعيشها سوقنا العقاري من عشوائية في العرض والطلب والخدمات المقدمة في مجال السمسرة والبيع والتسويق من جهة والمضاربات العشوائية بأراضي المنح والخام إضافة إلى كثرة العروض الوهمية المقدمة من قبل مكاتب السمسرة والشنطة من جهة أخرى، أدت إلى تضخم الأسعار العقارية وتصاعد الأسعار بطريقة لا يمكن التحكم أو التنبؤ بها، إلا أن هذه الفوضى العارمة والمضاربات العشوائية في أسعار العقارات سيكون لها الدور الأبرز في جلب موجة التصحيح. ولكن السؤال الذي يتبادر لكثير من المهتمين بالشأن العقاري الداخلي هو متى سوف تبدأ هذه الموجة التصحيحية للسوق العقاري السعودي؟ سوف نحاول الإجابة عن هذا التساؤل عن طريق تحليل ثلاث مراحل زمنية لسوق العقارالسعودي. #2# المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل النكبة (نكبة سوق الأسهم السعودي) - حتى عام 2007م في هذه المرحلة كان سوق العقار السعودي في حالة توازن بين معدل الطلب والعرض، ففي هذه المرحلة كان سوق الأسهم السعودي هو الشغل الشاغل لكثير من المستثمرين والمساهمين وعامة الناس والتي ارتكزت على الرغبة الحميمة في الثراء السريع خاصة مع تدفق المعلومات بأن أسعار الأسهم سوف تتضاعف ضعفين وثلاثة بل وأربعة أضعاف والاعتقاد السائد باستمرار ارتفاع أسعار أسهم الشركات المدرجة بالسوق السعودي إلى الأبد دون أي سقف يحدها...هكذا بقي سوق العقار السعودي بعيداً عن الأعين طيلة هذه الفترة حتى انفجرت فقاعة سوق الأسهم أو ما يعرف ''بنكبة سوق الأسهم السعودي'' في أواخر عام 2006م وبدايات عام 2007م. #3# المرحلة الثانية: مرحلة ما قبل التصحيح (2007 إلى 2013م) برز قطاع العقار السعودي (من ناحية الاستثمار والعائد الربحي السريع) بمثابة الملاذ الآمن لكثير من المستثمرين في الاقتصاد المحلي خلال هذه المرحلة،،، ففي هذه المرحلة، تصاعدت معدلات الطلب على العقارات إلى مستويات قياسية بصورة تجاوزت إمكانات العرض المتاح منها، خصوصاً في المدن الكبيرة، مما أدى إلى تسارع وتيرة أسعار العقارات في المدن الكبرى وسرعان ما امتدت إلى باقي المدن المتوسطة والصغيرة نتيجة لانتشار حمى المضاربة والطمع في الثراء السريع بين قطاع كبير من المتعاملين في سوق العقار السعودي، فقطعة الأرض التي تم شراؤها في بداية عام 2008م بـ 100 ألف ريال تباع حالياً بـ 400 ألف ريال في مدن مثل الرياض وجدة والدمام. حتى المدن المتوسطة ارتفعت أسعار الأراضي فيها إلى معدلات فاقت 250 في المائة من سعر شرائها الأساسي خلال هذه الفترة.أدت هذه الارتفاعات الجنونية في أسعار العقارات في جميع مدن المملكة إلى تزايد حدة المضاربة العقارية والترويج العقاري الوهمي لرفع أسعار العقار على وجه العموم وأراضي المنح على وجه الخصوص مما أدى إلى وجود سوق عقاري متضخم وأسعار مرتفعة جداً بشكل فوضوي وغير منظم، ساعد على ذلك عدم وجود المنظم الفعال والفعلي لتنظيم سوق العقار السعودي من جهة، واستمرار تصاعد وتيرة الطلب على العقار من جهة أخرى خاصةً بعد الأوامر الملكية التي أقرها خادم الحرمين الشريفين والتي تنص على توفير 500 ألف وحدة سكنية خلال السنوات الخمس القادمة ورفع الحد الأعلى لقيمة قروض صندوق التنمية العقارية إلى 500 ألف ريال بدلا من 300 ألف، إضافة إلى دعم صندوق التنمية العقاري بـ 40 مليار ريال، ودعم وزارة الإسكان الجديدة بـ 15 مليار ريال، فوفقاً لدراسات حديثة فإن احتياج السعوديين للمساكن حتى عام 2013م يصل إلى أكثر من (1.8 مليون) وحدة سكنية، وأن (60 في المائة) من سكان المملكة أعمارهم أقل من (29 سنة)، وأقل من (50 في المائة) من السعوديين يملكون وحدات سكنية، مما يعكس قوة الطلب المتزايد على العقار في السوق السعودي على المدى القصير والمتوسط، يقابل هذه القوة في الطلب ثبات في المعروض في السوق العقاري. هذه العشوائية والفوضى التي يعيشها السوق العقاري خلال هذه الفترة سوف تعمل على تحفيز وجلب موجة التصحيح الأولى (خاصةً بعد دخول أول دفعة من الوحدات السكنية لسوق العقار السعودي) خلال الفترة الزمنية القادمة. #3# المرحلة الثالثة: مرحلة التصحيح (2013 إلى 2020م) من المتوقع أن تدخل أول دفعة من الوحدات السكنية لسوق العقار السعودي حيز التنفيذ في بدايات هذه الفترة الزمنية مما سوف يعمل على نزول أسعار العقار (خاصةً السكنية منها) وسيحدث توازناً تدريجياً بين معدلات الطلب والعرض في السوق العقاري السعودي على الأراضي والمساكن على حد سواء، هذا السيناريو لن ينجح إلا بتفعيل حزمة من الآليات والحلول، لعل أبرزها إنشاء هيئة عليا للعقار وهيئة عليا لمراقبة أسعار مواد البناء (الأسمنت والحديد على وجه الخصوص)، بالإضافة إلى فرض رسوم على الأراضي البيضاء لمصلحة صندوق التنمية العقاري وإقرار قانون الرهن العقاري، فتح باب الاستثمار الأجنبي في السوق العقاري، والعمل على تصنيف المقاولين والمكاتب العقارية لمواكبة حجم السوق العقاري خلال هذه الفترة. هذه الحزمة من الآليات والحلول التنظيمية سوف تعمل على زيادة المعروض في السوق السعودي يقابله استمرار في الطلب المتزايد على العقارات والوحدات السكنية مما سيؤدي إلى خلق حالة من التوازن التام بين الطلب والعرض في سوق العقار السعودي على المدى البعيد.
إنشرها