الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

رحيل أسامة.. وغدر باكستان.. وفرص الولايات المتحدة

يوغش جوشي
السبت 21 مايو 2011 4:19

بعد أكثر من عشر سنوات من الملاحقة الدقيقة، وإنفاق ما يزيد على 1.3 تريليون دولار أمريكي، استطاعت الولايات المتحدة القضاء على أسامة بن لادن، العقل المدبر لهجمات 11 من أيلول (سبتمبر) 2001. وكانت هناك علاقة في أثناء هذه السنوات العشر أدت إلى إثارة وعدم راحة للبيت الأبيض، وذلك من خلال تحالف أمريكا غير المريح مع باكستان التي تعد حليف أمريكا الأول في الحرب على الإرهاب. وعلى عكس التحالفات الأخرى القائمة على التفاهمات، والمصالح المشتركة للطرفين، فإن هذا التحالف بين الولايات المتحدة وباكستان جاء نتيجة لظروف معينة فرضتها هجمات 11 من أيلول (سبتمبر).

حين أصبح شن الحرب على الإرهاب القضية الأهم في نظر الولايات المتحدة، أصبحت باكستان ذات العلاقة الحميمة مع طالبان، وذات التأثير الكبير في الأصوليين الإسلاميين، ذات أهمية كبرى في نظر الولايات المتحدة. وأمام القوة الأمريكية الكبيرة، وحرصاً من باكستان على التعاون في جلب متسببي موت أعداد كبيرة من الأمريكيين للمثول أمام العدالة، وافقت باكستان على مساعدة الولايات المتحدة على جهودها بهذا الخصوص. وانطلاقاً من أن القوة تقرر مسار التاريخ، فقد أرادت باكستان أن تكون على الجانب الصحيح منه.

مع ذلك، ظل التزام باكستان تجاه محاربة الإرهاب موضع شك على الدوام. ولأسباب تتعلق بالاستراتيجية، لم تستطع باكستان تصور وجود أفغانستان من دون طالبان، ولا وجود جنوب شرق آسيا دون أصولية، وإرهاب. وإذا كان الجهاد وسيلة مفيدة للإبقاء على النزيف الهندي في كشمير، فقد كانت أفغانستان بالنسبة إلى باكستان عمقاً استراتيجياً في مواجهة أي غزو هندي محتمل لا تستطيع مقاومته من خلال حدودها الجغرافية وحدها. وإذا كانت مصالح الولايات المتحدة تتجسد في القضاء على الإرهاب، فقد أصبحت الاستراتيجية الأمنية لباكستان تدور تماماً في فلك هذه الجماعات الجهادية العنيفة.

نظراً لوجود باكستان في موقف محشور بين الصخور الصلبة والجدران، فقد اختارت الدخول في اللعبة المزدوجة التي كثيراً ما تكون شديدة الخطورة. وقامت بدعم قوي للوجود الأمريكي في أفغانستان، حيث قدمت للأمريكيين القواعد العسكرية، كما شاركتهم في المعلومات الاستخبارية الحيوية، وتعاونت مع وكالات الاستخبارات الأمريكية، بل حاربت الإرهاب في مناطق باكستانية ضعيفة الخضوع للقوانين، وضحت بذلك بحياة المئات من رجالها. ومن الجانب الآخر، قدمت باكستان ملاذاً آمناً لعناصر من طالبان رأت فيهم ضرورة لخدمة خططها الاستراتيجية في أفغانستان. وحرصاً من باكستان على الحفاظ على دور تلعبه في أي تسوية محتملة للنزاع في أفغانستان، وكذلك للحصول على حصة من المغانم بعد انتهاء الحرب الأفغانية، دعمت، على نحو مستمر، جماعات متمردة مثل جماعة حقاني. والواقع أن توجهات النخبة الاستراتيجية الباكستانية كانت مدفوعة، على الدوام، بعوامل السياسة الواقعية. وكانت باكستان، شأنها في ذلك شأن طالبان، تتلاعب بالصبر الأمريكي. وفي نظر باكستان، فإن مغادرة الأمريكيين لأفغانستان كانت مسألة وقت فقط، حيث ستعمل الولايات المتحدة على تسليم شؤون أفغانستان إلى باكستان.

لقد أثبت قتل أسامة بن لادن أن تفكير باكستان التكتيكي الذي يقوم على مبدأ ''انتظر وراقب'' لم يكن صائباً، من الناحية الاستراتيجية، حيث إن باكستان الآن مكشوفة، وقلقة. وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يتكشف فيها أن لدى الولايات المتحدة موقفاً أقوى بكثير في تعاملها مع أهم حلفائها من الجانب الاستراتيجي.

كانت خيبة الأمل الكبيرة إزاء قضية تعاون باكستان معها في الحرب على الإرهاب، قبل مقتل بن لادن، قد وصلت حداً قريباً من الذروة. وكانت هجمات الطائرات الأمريكية دون طيارين على الأراضي الباكستانية في تزايد مستمر، إضافة إلى زيادة عدد ضحاياها، كما طالب عدد متزايد من القادة العسكريين الأمريكيين باكستان بالتوقف عن دعم طالبان، والمتمردين في أفغانستان. وسبق لرئيس الأركان الأمريكي، الأدميرال مايكل مولن أن وصف وكالة الاستخبارات الباكستانية المشتركة بأنها منظمة إرهابية. وكانت هذه التطورات في العلاقة الأمريكية مع باكستان مرتبطة بخطة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، الخاصة بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان. وتزداد الضغوط على الإدارة الأمريكية لتحقيق السلام في هذه المنطقة من العالم كلما اقترب موعد انسحاب القوات الأمريكية منها في عام 2114. وزوّد قتل أسامة بن لادن الولايات المتحدة بميزة استراتيجية لتغيير كل مسار الحرب على الإرهاب في أفغانستان. وهنالك ثلاثة عوامل مهمة بهذا الصدد.

العامل الأول هو أن الجيش الباكستاني الذي يعد أهم داعمي طالبان في البلاد، أهين على نحو علني. وكان من الملاحظ تماماً أن انكشاف الوضع الباكستاني لم يتلق سوى استجابة بسيطة من جانب النخب العسكرية البارزة. ويبدو أن الجيش ترك للإدارة المدنية للبلاد مسألة تفسير وجود أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية. وبالمقارنة بين صمت الجيش التام على قتل بن لادن، وضجيجه العالي إزاء الغارات العسكرية الأمريكية الجوية على الأراضي الباكستانية، فإنه يبدو أن هذا الجيش يتخذ موقفاً دفاعياً في الوقت الراهن.

ومع انكشاف تواطؤ باكستان في التخلي عن حماية أهم إرهابي في العالم، فإنه ربما يجب على الجيش الباكستاني في الظروف الراهنة، التعمق في بحث روحي عن الاتجاه الذي يريد أن يسير عليه في المستقبل. وإن هذه فرصة نادرة للجيش الأمريكي الذي لديه علاقات أقوى مع الجيش الباكستاني من علاقته مع وزارة الخارجية الباكستانية، لكي يطالب بمزيد من الدعم من جانب النخبة العسكرية الباكستانية.

أما العامل الثاني، فهو أنه للمرة الأولى في فترة امتدت نحو عشر سنوات، تتوافر لدى القيادة المدنية في باكستان فرصة تحدي قوة الجيش. وكانت العملية العسكرية التي قام بها الأمريكيون لقتل بن لادن، ضرورية لتمكين باكستان من تغيير نهاية اللعبة في العلاقات بين البلدين. وإن صدقية باكستان، في الوقت الراهن، على المحك، وكذلك مدى إمكانية الاعتماد على قواتها المسلحة التي أدى دعمها لطالبان إلى تشويه صورتها محلياً وعالمياً. ولو كانت باكستان تتعاون على نحو أفضل مع الولايات المتحدة في معركتها ضد المتشددين، لكانت قد استطاعت تجنب التعرض إلى هذا العدد المتزايد من غارات الطائرات العسكرية الأمريكية، دون طيارين، على أراضيها، الأمر الذي يجعل باكستان أقرب إلى جمهوريات الموز منها إلى كونها دولة تمتلك الأسلحة النووية.

أما العامل الثالث فهو أن قتل أسامة بن لادن قد يزود الولايات المتحدة في نهاية المطاف بإحساس الهدف الذي يبدو أنها فقدته خلال الحرب الطويلة على الجهاد. وأخيراً، فإن هناك نقطة جديدة يمكن أن تعيد وحدة المجتمع الأمريكي بما يحل محل شعور الخيبة بالأمل الذي ساد هذا المجتمع خلال العامين الماضيين. وإن المديح الذي تلقاه الرئيس باراك أوباما من جانب كل من الديمقراطيين، والجمهوريين، يمكن أن يكون فرصة لإطلاق عملية سياسية بنّاءة داخل الولايات المتحدة نفسها. وإنه، إضافة إلى كل ذلك، يمكن أن يكون إشارة للمتشككين حول العالم بأن الولايات المتحدة لن تترك أفغانستان بالسهولة التي كان الحديث يدور حولها. وقد يكون قتل أسامة بن لادن عامل إحياء للإرادة الأمريكية بخصوص الحرب في أفغانستان.

حتى تستطيع الولايات المتحدة الاستفادة من هذه المناسبة الاستراتيجية، فإنها في حاجة إلى التعامل مع باكستان بحذر شديد. وبإمكان الولايات المتحدة بعد أن وضعت باكستان في موقف حرج إزاء مسألة إيواء بن لادن فوق أراضيها، أن تستخدم هذه اللحظة التي هي بمنزلة كف حريرية لجعل باكستان أكثر تعاوناً مع الجهود الأمريكية في الحرب القائمة في أفغانستان. وإن أهم أسلوب ملائم للقيام بذلك لا يتمثل في إهانة، ولوم باكستان، ودفعها إلى نقطة اللاعودة. وكان الرئيس الأمريكي لطيفاً وكريماً في اعترافه بالجهود الباكستانية ضد شبكات الإرهاب، وكذلك كان موقف مارك غروسمان، مبعوث الرئيس أوباما الخاص إلى المنطقة. وعلى الولايات المتحدة المحافظة على احترام باكستان لذاتها حتى تتصرف كدولة راغبة في محاربة تصاعد الجهاد العالمي.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: Opinion Asai

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية