البطالة.. تشريح ثلاثي الأبعاد

|
بين من يحصر أسباب المشكلة ويصنفها كأزمة توظيف فقط ويبرئ الجامعات والكليات من المشاركة في تفاقمها وأولئك الذين يصنفونها كأزمة تعليم فقط، هناك فريق في الوسط ينظر للمشكلة بحيادية وموضوعية ومن كل الاتجاهات فيقسم أسبابها الحقيقية إلى ثلاث مجموعات لا بد من التعامل معها بالتزامن وبكل جدية إذا ما أردنا القضاء تماماً على البطالة في السعودية وأقول هنا ''القضاء تماماً'' ولم أقل ''التخفيف منها'' لأن البطالة في السعودية مختلفة عنها في الدول الأخرى كما ذكرت في مقالي السابق ''البطالة بين العلاج المؤقت والإصلاح في العمق'' من حيث كم الوظائف الشاغرة وتلك المشغولة بكفاءات أجنبية ضعيفة ـــ مع تقديري للكفاءات العالية التي تستحق الاستقطاب ـــ ومع الطلب المتزايد للوظائف والتي بإجمالها تكفي لتوظيف كل العاطلين والعاطلات من أبناء الوطن، أما المجموعات الثلاث لأسباب البطالة فتتلخص في: 1 ـــ التأهيل الضعيف لمخرجات أكثر جامعاتنا وكلياتنا ـــ وليس الكل ـــ خصوصاً في التخصصات التطبيقية التي تحتاج إلى عمق في الدراسة وجدية في التطبيقات مثل تخصصات هندسة البرامج والإلكترونيات وما في مستواها والدليل يتجلى واضحاً بزيارة قصيرة لأقسام تطوير نظم الحاسب وتطبيقاته في معظم الجامعات والجهات الحكومية والشركات وكذلك حينما تزور المصانع الوطنية! المتخصصة في تصنيع المنتجات الإلكترونية إذ لا تكاد ترى الموظف السعودي هناك إلا للعمل في المجالات الإدارية فقط وعلى هذا قس في التخصصات المشابهة، وحول رأيي في هذا الجانب يمكنك قراءة المزيد في مقال سابق بعنوان ''التقدم التقني.. مكمن الخلل عبر مراحل التأهيل العلمي والفني'' تم نشره في ''الاقتصادية'' لعددها ''6163'' وتاريخ 16 من رمضان 1431هـ، وللتوضيح أقول حينما يتخرج الطالب من مرحلة الإعداد العام ليدرس في إحدى الكليات التقنية في تخصص ''الإلكترونيات'' لمدة ''عامين'' ويكون معدل ساعات المواد التخصصية إلى المواد العامة 50 في المائة فهذا يعني فعلياً أنه درس ''سنة واحدة'' فقط في التخصص!! فما بالك إذا ما أخذنا في الاعتبار الضعف الكبير في المقررات و في كثير من المعلمين! 2 ـــ أنظمة التوظيف وتطبيقاتها العشوائية مع الخلل في المعايير أو الجهل بها، إذ تُتيح أحياناً كثيرة في توظيف الأجنبي ما لا تتيح للمواطن حتى في الوظائف الحكومية، فاشتراط التقدير ''جيد جداً فأعلى'' و''التخصص في مجال الوظيفة'' لا مجال للتنازل عنه للسعوديين فيما يتم التغاضي عنه عند توظيف الأجانب على ''بند الصيانة'' لتجد موظفين بتقدير ''جيد'' بل و''مقبول'' وفي تخصصات تختلف عن مجال العمل بسبب مزاج أو قناعات أكثر ''المُنتدبين'' لاختيار الموظفين والتعاقد معهم والذين يغلب على الكثير منهم الجهل بتخصص تلك الوظائف ومتطلباتها فضلاً عن ضعف القدرة على قياس مهارات المتقدمين في مجال الوظيفة. 3 ـــ انعدام التنسيق وضعف التخطيط في مجال المواءمة (كماً وكيفاً) بين التخصصات العملية في الجامعات والكليات التقنية واحتياج سوق العمل، وبالتحديد بين وزارة العمل ووزارة التخطيط ووزارة التعليم العالي ومؤسسة التدريب التقني والمهني، لذا فلا عجب أن تجد أكثر المتخصصين مثلاً في مجال الدعم الفني عاطلين مع تشبع سوق العمل بهذا التخصص والاستمرار في تخريج عشرات الآلاف منهم بعد كل فصل دراسي بينما تجد سوق العمل يبحث بصعوبة عن المؤهلين الجيدين في مجالات البرمجة وأمن المعلومات والوسائط وغيرها فلا يجد مناصا من الاستقدام لتغطية احتياجه وفي مقدمة هذه الجهات الحكومية وعلى رأسها جهات التأهيل نفسها! استوقفني تعليق القارئ الكريم ''أحمد'' على المقال السابق وهو يعكس نفس ما يقوله من يحصر المشكلة فقط في أنظمة التوظيف إذ قال: ''كلام جميل ولكن ''برضو'' فيه الآن مبتعثون من أمريكا وأمريكا معروفة بجامعاتها لم يحصلوا إلى الآن على وظائف هل هؤلاء لديهم أزمة تعليم أم ماذا؟'' والجواب يتلخص أولاً في أن مشكلة بعض من هؤلاء قد تُصنف ضمن مشاكل التوظيف كما ذكرت آنفاً ولكن مع أهمية مراعاة النقاط التالية عند تحليل المشكلة: • لا يعني تخرج الطالب في أي جامعة حتى وإن كانت جامعة عريقة أنه سيلتحق بالوظيفة فوراً حتى وإن توافرت الوظائف وانطبقت الشروط عليه بسبب إجراءات التوظيف الطويلة التي تعكرها البيروقراطية المقيتة من استقبال الطلبات وفرزها والمقابلات والتقييم والمقارنة والاختيار والتعيين ولا يمكن ـــ من وجهة نظري ـــ أن تُصنّف الخريج أثناء هذه الفترة بأنه عاطل ما لم يتجاوز تاريخ تخرجه ثلاثة أشهر. • التأهيل العلمي وحده وإن كان بتميز لا يكفي للفوز بالوظيفة، فمن ناحية قد لا توجد وظائف متاحة في البلد لبعض التخصصات إما بسبب اكتفاء البلد منها أو بسبب عدم وجود قطاعات تحتاج إلى هذا التخصص مثل بعض التخصصات الهندسية الدقيقة المتعلقة مثلاً بتصنيع السيارات أو الطائرات، ومن ناحية أخرى قد توجد صفات ومؤهلات أخرى مضافة تتطلبها بعض الوظائف فليس من الغريب أن تجد شخصا متفوقا في التسويق عاطلا إذا كانت شخصيته وغِلظة طباعه لا تلبيان شروط هذه الوظيفة وعلى هذا يمكن القياس في كثير من التخصصات الأخرى. إن الحل لمشكلة البطالة في السعودية لا ينحصر في تطبيق قرارات السعودة جزافاً، أو من خلال تضييق الخناق على المستثمرين في الحصول على تأشيرات للعمالة من الخارج أو إلزامهم بتوظيف السعوديين فمن حق كل مستثمر البحث عن المؤهلين تأهيلاً حقيقياً يساعد على نجاح الاستثمار وتحقيق أهدافه، وليس من خلال تطبيق قرارات أحادية من وزارة العمل تحل المشكلة من جانب وتفسدها من جانب آخر، ثم بعد أن يثبت فشلها في التوقيت وفي آليات التطبيق يتم تجاهلها رسمياً كما في سعودة محال الخضار التي تعج الآن بالعمالة الوافدة! إنما يتم الحل بشكل صحيح من خلال تطبيق خطة وطنية شاملة ومتكاملة تشترك في وضعها كل الوزارات المعنية، تأخذ في الاعتبار تشجيع السعودة من جهة وتوجيه ومواءمة التخصصات ـــ كماً وكيفاً ـــ حسب احتياج سوق العمل السعودي بشكل سنوي، ووضع معايير مهنية دقيقة لكل التخصصات يتم تطبيقها بشكل صحيح خصوصاً عند اختيار وتوظيف العمالة الوافدة وقبل منحها التأشيرات حتى لا يدخل سوق العمل إلا المؤهلون وذوو المهارات العالية فقط خصوصاً الطبية والهندسية والأكاديمية، وأخيراً يجب الأخذ في الاعتبار تحقيق متطلبات التخصص والحد الأدنى من ساعات الدراسة والتدريب وفقاً للمعايير الدولية المُتبعة في الجامعات الرائدة وهنا لا بد من الفصل الحقيقي بين مرحلتي الإعداد العام ومرحلة التخصص الأكاديمي في تحقيق التكامل من جهة وإعطاء التخصص حقه من الوقت والمادة العلمية الحديثة والمطورة من جهة أخرى حتى نخرج طلبة مؤهلين بشكل جيد في التخصص الأساسي، ومن ثم يتم تعزيز هذه القدرات فيما بعد بالتدريب على رأس العمل في المجالات الأخرى التي تتطلبها الوظيفة كالمهارات الإدارية والقيادية. ودمتم بخير وسعادة
إنشرها