ليس أجمل من أن تترجم المهام إلى ما هو ملموس ومحسوس، ويتعاظم الإحساس بقيمة الإنجاز حين يكون ذا صلة مباشرة بصحة الإنسان وسلامته، وهو دور موكول في الأساس إلى وزارة التجارة والصناعة من خلال إشرافها على تنفيذ الخطة التموينية وما يصلح للبيع والتوزيع من سلع وبضائع يفترض ألا تمر من منافذها النظامية وشروطها الرقابية إلا بعد استكمال المعاينة والمصادقة على صلاحيتها.
في هذا السياق تقوم هيئة الغذاء والدواء بجهد كبير مشكور للتحقق مما هو موجود من عقاقير ومساحيق ومواد غذائية بالوقوف على أماكن بيعها أو توزيعها، وبين الحين والآخر تعلن مخالفات مجحفة بحق الصحة العامة والسلامة كما تقوم بالتشهير بها بالاسم.
وحين تقف نساء أمانة مدينة الرياض مواكبات لهذا الدور ويمارسن مهنيتهن ميدانيا على النحو الذي حدث أخيرا في ضبطهن 1402 مستحضر، و79 عاملة مخالفة في مركزين نسائيين في الرياض .. فإنما هن بعملهن هذا يسجلن علامات امتياز متعددة: منها التأكيد على أن المرأة المواطنة حين تسند إليها المهمة تقوم بها بكفاءة مثل أشقائها من الرجال الأكفاء، ومنها أيضا أنهن بما قمن به يعبرن عن غيرة وطنية إنسانية، كما أنهن كذلك يضربن مثالا للاحتذاء في ضرورة عدم الركون إلى المكاتب وإنما النزول إلى الميدان بحس المسؤولية وبوعي قيمة العمل نفسه. هذا يعني إشارة مكثفة إلى أن على الجهات المسؤولة عن حماية المستهلك وفي صدارتها وزارة التجارة أن تبادر كي تنافس في مجال إحكام رقابتها على السلع والبضائع والقدرة على الانتشار فوق مساحة الوطن، وألا تكون منافذها قابلة لمرور ما هو غير صالح، أو حتى ما هو عرضة لأن يكون غير صالح لقرب تاريخ انتهاء الصلاحية مثلا، ولا أن تصبح آلياتها قاصرة كعدم وجود مخازن، كما حصل في قضية الأرز المغشوش وألا تكون ثمة ''لخبطة'' في الاحتكار والمنافسة، كما في قضية السكر والأرز والوكالات وغيرها.
نعم هناك اختلاف في المهام بين أمانة البلدية وهيئة الغذاء والدواء ووزارة الصناعة والتجارة .. لكن هذا الاختلاف لا يشكل تنافراً وإنما تقاطعاً مع بعضها بعضا، بمعنى أن المطلوب أن تتناغم هذه الجهات مع بعضها في تكامل يؤدي إلى إحكام الحلقة وإغلاقها على الغش والفساد في أسواقنا.. حيث تكون فاعلية جهة ونشاطها كالأمانة أو هيئة الغذاء والدواء دافعا وحافزا للجهة المسؤولة بشكل أكبر منها كي تستجيب بقدر أنشط وأوسع لرصد ما تعج به أسواقنا المحلية في مختلف المناطق من بضائع وسلع مما كان ينبغي لها ألا تكون موجودة، أما وقد وجدت فإنه لا بد من تنظيف فضائنا التجاري من تلوثها.
لقد منح الأمر الملكي الأخير وزارة التجارة 500 فرصة عمل، ما يعني أن الطاقة التشغيلية لهذه الوزارة قد تم دعمها بما يمنحها ما كانت في السابق تشكو من عدم وجوده .. ومن المؤكد أن كشف الأثر الذي ستحدثه هذه القوى البشرية الجديدة مدعاة ومبرر لأن يتم دعمها بمزيد من هذه القوى حين يتضح أن هذا كان وحده مصدر السلبية، لكن حتما هذا المحك في عدم البرهنة عليه يعني أن على وزارة التجارة أن تبحث عن قصور في آلياتها الأخرى، تلك الآليات التي تمكنها من أن تكون عينها ترقب ما يباع وما يتم توزيعه، وقبلهما ما يتم عبوره من منافذها وتخضع كل ذلك للمعاينة الحقيقية.
وبعد .. حق لنا أن نقدم الشكر والتقدير للقسم النسائي في أمانة مدينة الرياض، على أمل أن تنتقل هذه الروح لأمانات بلديات الوطن كله .. كما حق لنا أن نقدم لهيئة الغذاء والدواء الشكر والتقدير على ما تقوم به من دور مشرف، وفي الوقت نفسه حق لنا أن نشكر لوزارة التجارة ما تقوم به، لكننا نتطلع إلى أن نجد حضورها مكثفا وواسعا كما هو مطلوب.
