حتى لا يفشل مركز تقويم التعليم العام!

|
وافق مجلس الشورى الشهر الماضي على مقترح مشروع إنشاء مركز متخصص لتقويم مستوى ومخرجات التعليم، وهو مشروع يهدف، حسبما ورد في بيان مجلس الشورى، إلى الارتقاء بجودة التعليم ومخرجاته، من خلال تشخيص ومراقبة أداء مؤسسات التعليم العام والعاملين فيها وتقويم مخرجاته، والتأكد من مواكبتها للمقاييس والمعايير العلمية، وضمان جودة أداء الإدارة التربوية والتعليمية والمدرسية والصفية وجودة أداء العاملين في المدارس، والتأكد من جودة المناهج والبرامج التي تقدمها الوزارة ومدى مواكبتها للتطور العلمي والتقني والمعرفي، ونشر ثقافة الجودة في المدارس ودعم القدرات الذاتية للمدارس للتقويم الداخلي للرفع من الكفاءة الداخلية للمدارس وتشجيع التنافس فيما بينها وتحفيز مؤسسات التعليم العام للحصول على الاعتماد المدرسي تحقيقا للتمايز والتنافس بينها. كما أكد مجلس الشورى أن المركز الوطني يعتبر الجهة المسؤولة عن تقويم التعليم العام، وله على وجه الخصوص أكثر من عشر مهام، منها بناء مؤشرات الأداء والمعايير والأدوات اللازمة لتقويم التعليم العام، ووضع قواعد التقويم وآلياته وشروطه، وصياغة الضوابط التي تكفل ضمان جودة التعليم بعناصره كافة، وإنشاء معايير التعلم والاختبارات الوطنية لكل مرحلة دراسية، وإعداد المعايير المهنية واختبارات الكفايات ومتطلبات برامج رخص المهنة للعاملين في التعليم العام، وتقويم أداء مدارس التعليم العام كافة وبرامجها المختلفة، والمراجعة الدورية لمتطلبات تلك البرامج ومخرجاتها واعتمادها، واعتماد جوائز تميز للمؤسسات التعليمية. وإذ نحن ندعم ونؤيد هذا التوجه الاستراتيجي، إلا أننا، ومن باب الرغبة الوطنية في ضمان نجاح مثل هذه المشاريع الطموحة، يجب أن ننوه بعدد من المحاذير والمخاطر المرتبطة بهذا المشروع، من أهمها ضرورة ممارسة المركز المقترح الاستقلالية التامة من الناحية القانونية والتنظيمية والمالية عن وزارة التربية والتعليم، وإلا! ونقول إلا عطفاً على ما واجهته بعض المشاريع التعليمية وغير التعليمية الحالية والسابقة من مشاكل وتعثر وإخفاق بسب وجود تباين واختلاف بين التنفيذ الفعلي للمشاريع وبين ما خطط له، مما ينتج عنه عدم تحقيق الأهداف المرجوة من المشروع وهدر للمال العام وضياع الوقت والجهد مع تفويت فرص التطوير والنجاح. وحتى نعرف ماذا يمكن أن يحصل لمركز تقويم التعليم ـــ المستقل عن وزارة التربية والتعليم تشريعياً وافتراضيا ـــ يجب أن نعرف ما يحصل في مشاريع مماثلة بدأت مستقلة تشريعياً لتتحول إلى إدارات تابعة لنفس الجهة الحكومية، ولعل من أهمها مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم العام، والذي يلاحظ عليه ما يلي: 1 ــ لضمان استقلاليته عن وزارة التربية والتعليم، تم تخصيص لجنة وزارية عليا برئاسة ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء الأمير سلطان بن عبد العزيز ـــ حفظه الله ـــ لإدارة مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم. إلا أنه عند بدء تنفيذ المشروع، تم تغيير طريقة إدارة المشروع ليتحول إلى أحد مشاريع وزارة التربية والتعليم الداخلية، مع تعيين موظفين من داخل الوزارة إما بالإعارة أو إعادة التعيين بعد التقاعد المبكر في إدارة المشروع وبرواتب مضاعفة، ليفقد مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم أهم خاصية خطط لها وهي استقلالية المشروع عن إدارة وزارة التربية والتعليم، خاصية كان يمكن لها تقديم نوع من الرقابة الفنية والمالية بشكل مستمر وبما يساعد على التأكد من تحقق أهداف المشروع، بدلاً من الاعتماد على تقارير من وزارة التربية والتعليم كما هو الحال في مشاريع الوزارة الأخرى. 2 ــ بدأ مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم عام 1426 هـ، وخصصت له تسعة مليارات، على أن يتم تنفيذه خلال ست سنوات، بمعنى أن ينتهي عام 1432 هـ. وهذا يعني أن المشروع قد اكتمل أو على الأقل على وشك الانتهاء، ولكن هذا لم يحصل، وهذا ما تؤكده البيانات الواردة في الموقع الرسمي لمشروع تطوير في موقع الوزارة، فلا يوجد أي مؤشر على نسب الإنجاز في المحاور الأربعة لمشروع تطوير: المعلمين والمعلمات، المناهج، البيئة التعليمية، والنشاطات اللا صفية، أو خطط واضحة للتنفيذ وجدول زمني لذلك. 3 ـــ لا توجد أي معلومات حول مشروع تطوير من حيث المبالغ المخصصة للمشروع (تسعة مليارات)، من حيث المبالغ المنصرفة على المشاريع الفرعية الأربعة التابعة لمشروع تطوير، أو المبالغ المنصرفة كرواتب وماهية الشركات المتعاقد معها وحجم العقود. فإذا لم يتم البدء في المشروع بعد، فهل تم الاحتفاظ بالمبالغ الخاصة بمشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم، لصرفها على المشروع في المستقبل. 4 ــ هناك تداخلات وتعارضات واضحة بين مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم ومشاريع داخل الوزارة مثل مشروع تطوير المناهج ومشروع تطوير العلوم والرياضيات والمخصصة لها مبالغ مالية كبيرة من ميزانية الدولة. وهنا لنا أن نثير تساؤلات حول أسباب العمل على مشاريع تتعارض مع مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم، تعارض لا يخدم أهداف تطوير التعليم، ويؤدي حتماً إلى هدر في المال العام. 5 ــ الوضع التنظيمي الحالي لمشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم يتكون من وزارة التربية والتعليم، ومشروع تطوير، وشركة تطوير، شركة حكومية تعليمية تملكها الدولة، ولجنة تنفيذية للمشروع برئاسة أحد مسؤولي وزارة التربية والتعليم وعضوية مسؤولين من الوزارة وأعضاء من خارج الوزارة. ومن غير الواضح طريقة إدارة وتنفيذ مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم في مثل هذا التنظيم، وما إذا كان مثل هذا التنظيم مناسباً، في ظل عدم وجود نتائج ملموسة وإيجابية. هذه بعض الملاحظات المهمة على مشروع استراتيجي ووطني ـــ مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم ـــ يمثل حجر الزاوية وأساس بناء الوطن، مشروع يتطلب إعادة النظر في منهجية تخطيطه وإدارته. أما المشروع المقترح من مجلس الشورى والخاص بإنشاء مركز وطني لتقويم التعليم، فنخشى أن يؤول إلى ما آل إليه مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم، ونظرة مستقبلية قد توضح لنا ما قد يحصل في مشروع مركز تقويم التعليم: 1 ــ تتم إدارة مركز تقويم التعليم العام من داخل وزارة التربية والتعليم. 2 ــ تعيين موظفين (حاليين أو متقاعدين) من وزارة التربية والتعليم لإدارة مركز تقويم التعليم العام. 3 ــ عدم توفير مؤشرات أداء عن سير المشروع. 4 ــ عدم تأثر العملية التعليمية من حيث تحسن مخرجات التعليم العام. فهل يدرك مجلس الشورى وهيئة الخبراء أهمية تقييم المشاريع السابقة والحالية لتفادي أي أخطاء سابقة في التنفيذ قبل إقرار المشروع، إجراء يساعد ويدعم الوطن أولاً، ويساعد وزارة التربية والتعليم على أداء مهامها بالشكل المطلوب، من خلال توفير جهة عليا تراقب وتتابع وتقيم أعمالها. وللحديث بقية...
إنشرها