مَن المستفيد مِن تخصيص قطاع المياه والصرف الصحي؟

|
استكمالا لتقييم برنامج التخصيص في المملكة، نستعرض في هذه المقالة تجربة تخصيص المياه والصرف الصحي وإنشاء شركة المياه الوطنية، ومدى تحقيقها للأهداف المنصوص عليها في قرار مجلس الوزراء رقم (60) وتاريخ 1/4/1418هـ عند تخصيص أي من الخدمات والنشاطات الحكومية، وهذه الأهداف هي: 1. رفع كفاءة الاقتصاد الوطني وزيادة قدرته التنافسية لمواجهة التحديات والمنافسة الإقليمية والدولية. 2. دفع القطاع الخاص نحو الاستثمار والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد الوطني وزيادة حصته في الناتج المحلي بما يحقق نموا في الاقتصاد الوطني. 3. توسيع نطاق مشاركة المواطنين في الأصول المنتجة. 4. تشجيع رأس المال الوطني والأجنبي للاستثمار محليا. 5. زيادة فرص العمل والتشغيل الأمثل للقوى الوطنية العاملة ومواصلة تحقيق زيادة عادلة في دخل الفرد. 6. توفير الخدمات للمواطنين والمستثمرين في الوقت وبالتكلفة المناسبين. 7. ترشيد الإنفاق العام والتخفيف عن كاهل ميزانية الدولة بإتاحة الفرصة للقطاع الخاص بتمويل وتشغيل وصيانة بعض الخدمات التي يمكنه القيام بها. 8. زيادة إيرادات الدولة عن طريق عائد المساهمة في النشاط المراد تحويله للقطاع الخاص، وعن طريق ما تحصل عليه من مقابل مالي مثل ما تحصل عليه عند منح الامتيازات، وكذلك عن طريق الإيراد المحصل من بيع الدولة لجزء من حصتها. تهدف الدولة إلى تحقيق نتائج مالية إيجابية من التخصيص. ويتضح من هذه الشروط أن الهدف الرئيس من تخصيص أي قطاع حكومي ينصب في الحد من أو وقف الإنفاق الحكومي من ناحية وتوفير عوائد إضافية للدولة، أهداف تتطلب اتخاذ قرارات صعبة من أهمها رفع كفاءة القطاع وتخفيض أعداد الموظفين وتحسين الخدمات قبل الدخول في عملية التخصيص نفسها، معايير تمثل متطلبات نجاح التخصيص وهو ما حققته دول متقدمة مثل بريطانيا تحت قيادة رئيسة مجلس الوزراء مارجريت تاتشر. ومن الطبيعي كمواطنين ومسؤولين أن نتساءل عن مدى تحقيق مشروع تخصيص المياه والصرف الصحي وإنشاء شركة المياه الوطنية لأهداف برنامج التخصيص المنصوص عليها في قرار مجلس الوزراء رقم (60)، فإما أنها تحققت، وهذا حتما يصب في المصلحة العامة ويخدم المواطن والوطن ويوفر في المال العام، أو أنها لم تتحقق؛ مما يعني زيادة أو هدرا في المال العام ولا يخدم المصلحة العامة وحتما يخدم مصالح خاصة. وحتى نحدد نتيجة تقييم مشروع تخصيص المياه والصرف الصحي أو شركة المياه الوطنية، ينبغي النظر فيما تم عمله من سياسات وإجراءات في مشروع تخصيص المياه والصرف الصحي، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي: 1. تم التعاقد مع تحالف سعودي - فرنسي من خلال ما يسمى ''عقد إدارة''، والذي يتمثل في تقديم التحالف موارد بشرية فرنسية وغير فرنسية في مواقع معينة مع تقديم مقترحات لتحسين العمل لمدة تصل إلى خمس سنوات تقريبا مقابل الحصول على مبالغ تصل إلى مئات الملايين ونسبة في رسوم المياه المحصلة وغيرها من المزايا والفوائد. فمثلا في مدينة الرياض تم الاتفاق بين وزارة المياه والكهرباء وتحالف من شركة فيوليا الفرنسية وشريك سعودي لإدارة وتشغيل شبكات المياه والصرف الصحي في مدينة الرياض، وكذلك حصل في مدينة جدة وأيضا مع شركة فرنسية وشريك سعودي، ويجري العمل على مدن أخرى بالطريقة نفسها. مثل هذا الاتفاق لا يمثل تخصيصا، فالشركة الفرنسية أو السعودية لم تقدم أي استثمار سواء ماليا أو تقنيا، ولم تدخل شريكة في المخاطرة، حيث تتحمل الدولة المخاطر بشكل متكامل مثل ما كان في السابق، بل إن هذه الشركات الغربية مع شركاء معينين من المملكة دخلوا في عقد مربح ومن طرف واحد، فهذه الشركات تحصل على دفعات دورية من العقد، إضافة إلى المشاركة في إيرادات المياه والصرف الصحي وغيرها من الفوائد المالية والمزايا والدخول في عقود إضافية، بينما لا تقدم هذه الشركات أي استثمار مالي، مع عدم وجود علاقة استثمارية معقولة وعادلة تبرر أحقية هذه الشركات بالحصول على جزء من رسوم المياه التي يدفعها المواطن؛ مما يعني عدم وجود أي فوائد للدولة من تخصيص المياه والصرف الصحي بهذه الطريقة، طريقة تتعارض كليا مع أهداف قرار مجلس الوزراء رقم (60) والخاص ببرنامج التخصيص في المملكة، فإيرادات الدولة تم تخفيضها بدلا من زيادتها، وهو ما يتعارض مع قرار مجلس الوزراء، ونفقات الدولة لهذا القطاع ارتفعت نتيجة تحمل مصاريف ما يسمى عقود الإدارة تزيد على مئات الملايين. 2. تتطلب أهداف برنامج التخصيص حسب قرار مجلس الوزراء رقم (60) ''ترشيد الإنفاق العام والتخفيف عن كاهل ميزانية الدولة بإتاحة الفرصة للقطاع الخاص بتمويل وتشغيل وصيانة بعض الخدمات التي يمكنه القيام بها''، مما يتطلب منا مقارنة مصاريف خدمات المياه والصرف الصحي قبل بداية إنشاء شركة المياه الوطنية (قبل عام 2008) والخاصة بمدن الرياض وجدة والتي كانت تتبع المديرية العامة للمياه في منطقة الرياض والمديرية العامة للمياه في منطقة مكة المكرمة مع مصاريف المدينتين نفسها (الرياض وجدة) بعد إنشاء الشركة (بعد عام 2008) والخاصة بتكاليف الرواتب والتشغيل والصيانة والمشاريع وغيرها من المصاريف، علما بأنه ما زالت تحصل شركة المياه الوطنية على مخصصات الميزانية الخاصة بمدن الرياض وجدة، وذلك بعد زيادتها من وزارة المالية، مقارنة تهدف إلى تحديد مدى تحقيق أهداف برنامج التخصيص في المملكة، فإذا كانت مصاريف المياه لمدينتي الرياض وجدة للفترة ما بعد 2008 أعلى من السنوات السابقة فإن أهداف التخصيص لم تتحقق، بمعنى أن نفقات الدولة ارتفعت لهذا القطاع؛ مما زاد على كاهل ميزانية الدولة وهو ما يتعارض مع أهداف التخصيص. 3. عند إنشاء شركة المياه الوطنية، تم توظيف مجموعة من موظفي وزارة المياه والكهرباء ومديريات المياه في الرياض ومكة المكرمة في شركة المياه مقابل رواتب ومزايا أضعاف ما كانوا يتلقونه في الوزارة؛ مما يثير تساؤلات حول مبررات وشرعية ونظامية تقديم رواتب مضاعفة لموظفين حكوميين بعد أيام من تركهم العمل في الوزارة، فمسير الرواتب لهذه المجموعة تغير بين شهر والشهر الذي يليه بأضعاف، وما دور الجهات الرقابية في هذا الشأن، ويبدو أن هذه الممارسة بدأت تنتشر في بعض القطاعات الحكومية من خلال سوء استخدام الصلاحيات المالية والإدارية لتوظيف موظفين حكوميين سابقين برواتب مضاعفة، وخصوصا في الشركات الحكومية مثل شركات أمانات المدن والتعليم وغيرها، ظاهرة تجد رواجا بين بعض القطاعات الحكومية، ولا يوجد من يوقفها. 4. حسب التنظيم الحالي، هناك وزارة المياه والكهرباء، ومديريات المياه في مناطق المملكة - الرياض - مكة المكرمة - المدينة المنورة - الشرقية وغيرها من المناطق، ومشروع تخصيص المياه والصرف الصحي في وزارة المياه والكهرباء، وشركة المياه الوطنية، ووحدة أعمال الرياض ومثلها في جدة، وهناك أيضا ما يسمى المشغل الأجنبي، مثل شركة فيوليا الفرنسية في الرياض، تنظيم معقد وغير واضح وخصوصا في المسؤوليات، فإذا كان هناك عقد إدارة مع مشغل أجنبي، فهل فعلا يقول المشغل الأجنبي بهذا الدور؟ وما دور شركة المياه الوطنية ووحدات العمل في حالة قيام المشغل الأجنبي في إدارة قطاع المياه والصرف الصحي؟ تنظيم يشير إلى تضخم في التكاليف على المال العام وفي الهيكلية وضياع في المسؤوليات، مؤشرات على عدم تحقق أهداف التخصيص كما نص عليها قرار مجلس الوزراء. 5. في مراحل ما قبل التخصيص، يتم إخضاع القطاع المطلوب تخصيصه لإجراءات صارمة لرفع الأداء والكفاءة في التشغيل، ولكن مع وجود رقابة مالية وإدارية على أعمال القطاع، إلا أن هذه الإجراء لم يتم الالتزام به في مشروع تخصيص المياه والصرف الصحي وشركة المياه الوطنية، فقد تم الحصول على استقلالية مالية وإدارية بشكل فوري؛ مما يعني عدم خضوع شركة المياه لنظام المشتريات الحكومي ولا لمراجعة واعتماد وزارة المالية للعقود، وهذا ما يفسر تضخم التكاليف والمصروفات وارتفاع الرواتب في هذه الجهات. كما أن امتلاك صلاحيات لمسؤول ما لا يعني شرعية وقبول أعمال تتعارض مع المصلحة العامة، وتؤدي إلى هدر المال العام حتى لو كانت ضمن صلاحياته، وهو أسلوب ينبغي للجهات الرقابية المعنية العمل به وليس فقط النظر في المستندات الورقية ومدى نظاميتها. وبناءً عليه، فإنه من الواضح عدم تحقيق شركة المياه الوطنية ومشروع تخصيص المياه والصرف الصحي أهداف برنامج التخصيص كما نص عليها قرار مجلس الوزراء رقم (60)؛ مما يثير عددا من التساؤلات، منها: أين دور المجلس الاقتصادي الأعلى؟ وهل هناك تقييم من قبل المجلس لما تم من إجراءات التخصيص في هذا القطاع؟ وهل يقدم المجلس لنا تقريرا يوضح فيه وبالأرقام المالية تمشي مشروع تخصيص المياه والصرف الصحي وشركة المياه الوطنية مع أهداف برنامج التخصيص، ثم أين دور الجهات الرقابية مثل ديوان الرقابة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق للتحقق من مدى وجود مخالفات مالية وإدارية أدت إلى هدر في المال العام؟ لنسأل أخيرا من المستفيد من تخصيص قطاع المياه والصرف الصحي إذا لم يكن هناك ترشيد للإنفاق العام وإنما زيادة على كاهل الميزانية العامة مع تخفيض في إيرادات الدولة؟ إذا لم يكن الوطن هو المستفيد، فمن المستفيد؟ وللحديث بقية...
إنشرها